تجلّيات الضياء في صباحات الصائمين
قلم:وائل عبد السيد
مع انحسار آخر خيوط الغبش وانبلاج فجرٍ جديد، يولد صباح رمضان كأنه "بشارةٌ" سماوية تهبط على الأرض لتغسل أدران الحيرة وتزرع السكينة في القلوب. ليس صباح رمضان كأي صباح؛ إنه زمنٌ مُقدس، يغتسل فيه الكون بنورٍ لا تدركه الأبصار، بل تستشعره البصائر. في هذه الساعات الأولى، يلفُّ الهدوءُ الطرقات، وكأنما الطبيعةُ ذاتها قد صامت عن الضجيج، لتفسح المجال
لتراتيل الأرواح ومناجاة التائبين.
يبدأ الصباح برائحة السحور التي لا تزال عالقةً في زوايا البيوت، وبندى الفجر الذي يتساقط على بتلات الزهر كأنه لآلئ منثورة تسبح بحمد ربها. الصيام في هذا الوقت ليس مجرد إمساكٍ عن الطعام، بل هو "ارتقاءٌ شعوري"؛ فبينما الشمس تبدأ رحلتها في كبد السماء، يبدأ الصائم رحلته داخل نفسه، يفتش عن مكامن التقوى، ويصقل مرآة قلبه لتنعكس عليها أنوار اليقين. في صباح رمضان، تبدو الوجوه مشرقةً بوضوء الفجر، والعيونُ هادئةً ببركة السكينة، والألسنةُ رطبةً بذكر الله، كأنما البشرُ في هذا الوقت قد تحولوا إلى "ملائكةٍ"
يمشون على الأرض بوقار.
أنظر إلى الشوارع وهي تستقبل الضياء؛ لا تسمع فيها إلا همس التلاوات التي تنبعث من المآذن والبيوت، كأنها سيمفونية إيمانية توحد الكون تحت راية التوحيد. الجوع في هذا الصباح هو "جوعٌ منير"، يوقظ في الإنسان إحساسه بضعفه البشري وفقره إلى خالقه، والعطش هو "شوقٌ روحي" لريِّ القرب والمغفرة. في الضحى، تشتد حرارة الشمس، لكن الصائم يستظل بظل الطاعة، ويجد في تعبه لذةً لا يعرفها إلا من ذاق حلاوة الإيمان.
أيها الصباح الرمضاني، يا فجر الأمنيات المتجددة، فيك تُفتح أبواب السماء، وتتنزل الرحمات لتطوف على البيوت بيتاً بيتاً. أنت الوقت الذي تصمت فيه الدنيا ليتحدث القلب، وتتلاشى فيه المادة لتتجلى الروح في أبهى صورها. أنت مدرسة الصبر الجميل، واللوحة التي يرسم فيها الصائم كل يوم قصة انتصار الإرادة على الهوى.
ومع اقتراب الظهيرة، يزداد العبق الروحي كثافة، ويظل الصباح يفوح بعطر "الخلوف" الذي هو أطيب عند الله من ريح المسك. إنه صباح العودة إلى الذات، وموسم الزرع الذي يُجنى ثمره عتقاً من النيران وفوزاً بالجنان. يا له من صباحٍ، يعلمنا أن الضياء الحقيقي ليس ما نراه بأعيننا، بل ما يشرق في صدورنا من نور الطاعة والرضوان.
