📁 آخر الأخبار

بين الضجيج... وصوتنا الحقيقي

 بين الضجيج… وصوتنا الحقيقي

بقلم ماريان عماد 

أخصائي الصحة النفسية وتعديل السلوك 



في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار، وتتشابه فيه الوجوه، وتعلو فيه الأصوات، أصبح من الصعب أن يسمع الإنسان نفسه.

نركض كل صباح خلف مهام لا تنتهي، ونتصفح مئات الصور، ونقارن حياتنا بما نراه على الشاشات، ثم نتساءل ليلًا: لماذا نشعر بالإرهاق رغم أننا لم نتوقف؟

الضجيج لم يعد صوتًا خارجيًا فقط، بل صار حالة داخلية. أفكار متداخلة، قلق من الغد، حنين لما فات، وخوف من أن نتأخر عن الآخرين. وبين كل هذا، يضيع سؤال بسيط: ماذا أريد أنا؟

الصحة النفسية لا تبدأ بجلسة علاج طويلة، ولا بقرارات مصيرية مفاجئة. أحيانًا تبدأ بلحظة صدق. أن نعترف بأننا متعبون. أن نقول "لا" حين يجب أن نقولها. أن نمنح أنفسنا حق الخطأ دون جلدٍ دائم للذات.

كثيرون يعيشون وفق توقعات الآخرين: الأسرة، المجتمع، أو حتى صورة مثالية رسموها لأنفسهم. لكن الحياة الحقيقية لا تُعاش لإرضاء جمهورٍ غير مرئي. هي تُعاش حين نتصالح مع عيوبنا، ونتقبل بطء خطواتنا، وندرك أن لكل إنسان مساره المختلف.

ليس المطلوب أن ننسحب من العالم، بل أن نتعلم كيف نختار ما يستحق انتباهنا. أن نقلل المقارنات، وأن نُكثر من الامتنان، وأن نبحث عن لحظات هدوء صغيرة وسط العاصفة. كوب قهوة في شرفة صامتة، دعاء صادق، حديث دافئ مع صديق… هذه التفاصيل البسيطة قد تعيد ترتيب الداخل.

في النهاية، لن يتذكرنا الناس بعدد إنجازاتنا فقط، بل براحتنا ونحن نعيشها.

فاسأل نفسك اليوم: هل أعيش كما أريد، أم كما يُراد لي؟

وربما تكون البداية… أن تُنصت.


تعليقات