📁 آخر الأخبار

ندوب تحولت إلى دروع: حكاية الصلابة التي لا نراها

ضريبة الفولاذ: لماذا نخطئ حين نحسد الناجين على صمودهم؟

بقلم: باهر رجب

ندوب تحولت إلى دروع
ندوب تحولت إلى دروع


ندوب تحولت إلى دروع - نقف كثيرا أمام تلك الشخصيات التي تبدو وكأنها قدت من صخر. أولئك الذين لا تهزهم الرياح، و يمرون عبر الأزمات ببرود يحسدهم عليه المحترقون. كما ننظر إلى ثباتهم الانفعالي، إلى قدرتهم على اتخاذ القرارات الصعبة دون أن يرمش لهم جفن، فنهمس في سرنا: "يا ليتني كنت بمثل هذه القوة". لكننا في تلك اللحظة، نمارس أقصى درجات الأنانية الفكرية. فنحن نشتهي "النتيجة" و نكفر بـ "المقدمات". إن القول بأن "من الأنانية أن تحسده على صلابته، وأنت لست مستعدا للخوض في المعاناة التي أدت إلى كل هذه الصلابة" ليس مجرد عبارة أدبية، بل هو تشريح نفسي لواحد من أكبر المغالطات الإنسانية.

اقرأ أيضا


النصل لا يخرج حادا من الفراغ

في عالم المعادن، لا يصبح الحديد فولاذا إلا بعد أن يوضع في أتون من النار تفوق قدرة البشر على الاحتمال، ثم يطرق بعنف، ثم يبرد فجأة. هذه "الدراما" المعدنية هي ما تمنحه القدرة على قطع كل شيء دون أن ينكسر. كذلك هم البشر، تلك الصلابة التي تبهرك اليوم هي في الحقيقة "ندبة" كبيرة غطت جرحا قديما. الإنسان لا يولد وبداخله جدران خرسانية، بل يولد رقيقا كغصن بكر، لكن الحياة تكسر هذا الغصن مرارا، وفي كل مرة يلتئم فيها الكسر، ينمو العظم في موضع الإصابة أكثر سماكة وقوة. فهل أنت حقا مستعد لأن تكسر عظام روحك لتصل إلى تلك السماكة؟

 

وهم "القوة المجانية"

كذلك تكمن الأنانية هنا في رغبتنا في الحصول على "الدرع" دون خوض "المعركة". نحن نريد الهدوء الذي يمتلكه ذلك الشخص، لكننا لا نريد الليالي التي قضى فيها يصارع نوبات الهلع وحده. نريد الحكمة التي ينطق بها، لكننا نرفض الخيانات و المرارات التي كانت هي المعلم الأول لتلك الحكمة. حسدك لصلابته هو إنكار لرحلة عذابه. أنت تطلب منه أن يعطيك "سر المهنة" دون أن تدفع "ضريبة التلمذة". القوي الذي تراه اليوم هو شخص مات عدة مرات قبل أن يقرر أن يعيش بهذه الطريقة، إنها صلابة "الناجين" وليست صلابة "المحظوظين".

اقرأ أيضا


الوجه الآخر للصلابة: الثمن الباهظ

ما لا تدركه وأنت تمارس حسدك، هو أن تلك الصلابة لها ثمن يدفع كل يوم. فالقلب الذي لا ينكسر بسهولة هو غالبا قلب فقد القدرة على الشعور بالأشياء البسيطة بعمق. الصلابة تعني أحيانا "التخشب"، أن تفقد مرونة العاطفة، أن تضطر لإخفاء ضعفك البشري خلف قناع من الحديد لأنك تعلم أن السقوط ليس خيارا متاحا لك.
> "الصلابة ليست دائما علامة على العافية، أحيانا تكون هي الملاذ الأخير لشخص لم يجد من يحميه، فقرر أن يصبح هو الحامي لنفسه." >


نصيحة في أدب النظر للآخرين

علاوة على ذلك بدلا من أن تحسد شخصا على قوته، حاول أن تنظر إلى "التعب" الكامن في عينيه. احترم تلك المسافة التي قطعها في صحراء المعاناة ليصل إلى واحة الثبات. القوة ليست هبة، بل هي استرداد للحقوق من مخالب الألم. إن كنت تريد الصلابة، فلا تطلبها كمنحة، بل استعد لاستقبال ضربات الحياة بصدر رحب، وتعلم كيف تعيد بناء نفسك من الحطام. أما إذا كنت تفضل رقة قلبك و هشاشتك الجميلة، فاستمتع بها. ولكن لا تنظر إلى "المحاربين" بعين الحاسد، فأنت لا تقوى على حمل سيفهم، ولا على احتمال وزن دروعهم.
تعليقات