كتبت(هبة جمال المندوة)
ليس الباب في حقيقته مجرد لوح من خشب أو معدن يُوصد ويُفتح؛ بل هو الفاصل المهيب بين عالمين، والبرزخ الذي نفصل فيه بين "من نحن في الخارج" و"من نكون في الداخل".
كل عتبة نعبرها هي في الواقع "تذكرة عبور" زمنية ونفسية. حين تضع مفتاحك في قفل بيتك بعد يوم طويل، أنت لا تفتح باباً فحسب، بل تخلع عن كاهلك وجوهك المستعارة، وربطات عنقك المشدودة، وابتساماتك المجاملة؛ لتنزلق إلى رحابة "الذات" التي لا يراها أحد غيرك.
العتبة هي الموعد المعلق بين الغياب والحضور. هي تلك اللحظة التي يتردد فيها العائد قبل أن يطرق، وتلك الثانية التي يتجمد فيها الراحل قبل أن يغلق الباب خلفه للأبد. في الأدب، لم تكن الأبواب يوماً جماداً، بل كانت دائماً "فضاءً للاحتمالات". فخلف الباب المغلق يسكن الفضول، وخلف الموارب تسكن الحيرة، أما الباب المفتوح على مصراعيه فهو دعوة صريحة للقدر لكي يتدخل.
إننا نقضي أعمارنا بين عتبات؛ نخرج من فكرة لندخل في أخرى، ونودع مرحلة لنستقبل غيرها. والسر ليس في متانة الباب أو زخرفته، بل في الشجاعة التي تتطلبها تلك "الخطوة الواحدة" التي تنقلنا من العتمة إلى الضوء، أو من ضجيج العالم إلى سكينة الروح.
فيا له من مسكين، ذلك الذي يظل واقفاً على العتبة، ينهكه الخوف من المجهول خلف الباب، وينسى أن الحياة ليست سوى سلسلة من الأبواب التي تنتظر فقط.. من يجرؤ على لمس المقبض
