تراتيل فوق جثث الأمل: مائدة العالم المكسور
قلم:وائل عبد السيد
الفقرة الأولى: سادة الظلال والكرة الزجاجية
في الغرف الموصدة، فوق ناطحات السحاب التي تلامس غيوم الكبرياء، يجلس "سادة اللعبة". وجوههم صامتة كالحجر، عيونهم لا ترى البشر، بل ترى أرقاماً وخرائط. الكرة الأرضية بينهم ليست وطناً، بل هي "كرة زجاجية" يتقاذفونها بدم بارد. يوزعون الثروات كما يوزعون أوراق اللعب، وبينما تلمع سبائك الذهب تحت أضواء الثريات، تظلم الدنيا في عيون الملايين. هنا، الكلمة رصاصة، والقرار مجاعة، والضحكة المخملية هي العزف الجنائزي لفقراء الأرض.
الفقرة الثانية: ميزان الجور ودموع الذهب
في المنتصف، يقف ميزانٌ أعرج، لا يعرف للعدل سبيلاً. في إحدى كفتيه، تتكدس سبائك الذهب الصماء، وفي الكفة الأخرى، يرتعد إنسانٌ مكسور، يزنون روحه بالمعدن، فترجح كفة المادة وتطيش كفة الروح. خلف الميزان، نرى المشهد الدامي؛ صراعاتٌ مفتعلة، بنادق موجهة نحو الصدور العارية، ودموعُ أمهاتٍ لا يجدن غير الحطام وسادةً لأطفالهن. إنه "الذهب الأسود" الذي يُصبغ بدم الأبرياء ليصير حلياً في أعناق المترفين.
الفقرة الثالثة: ضجيج الكؤوس وصمت الجياع
انظر إلى الزاوية اليمنى، حيث "نشوة السكر" تعمي الأبصار. كؤوس ترفع نخب الانتصارات الوهمية، وضحكات تخترق دخان السجائر الفاخرة. وفي المقابل، على الرصيف المنسي، نجد الحقيقة العارية: طفل يحمل لوحة كُتبت بدمع العين "جائع.. ساعدوني"، ورجال يتدفؤون بنار برميلٍ قديم، يبحثون في رماده عن بقايا كرامة. الفجوة ليست في المال وحده، بل في "الإنسانية" التي سقطت في قاع الكأس، تاركةً العجوز والطفل يواجهون شتاء العالم بصدورٍ خاوية.
الفقرة الرابعة: صرخة في وجه التناقض
هذه الصورة ليست مجرد فن، بل هي "مرآة قبيحة" لواقعنا المعاصر. هي التجسيد الحي لقول الشاعر: "ما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني". بين أكوام الأموال الملقاة بلا اكتراث أمام السكارى، وبين اليد الممدودة التي لا تجد كسرة خبز، يضيع المعنى الحقيقي للحياة. إنها صرخة أدبية تحذر من لحظة "الانفجار"، حين لا ينفع الذهب، ولا تحمي ناطحات السحاب أصحابها من غضبة الجائعين الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى قيودهم.
يا سادة الأرض، إن التاريخ لا يكتبه من ملك الذهب، بل من نزف الوجع. إن كؤوسكم المترعة بالخمر، مترعةٌ في الحقيقة بدموع الأيتام. والميزان الذي أملتم كفته اليوم، سيعتدل يوماً تحت وطأة العدالة الإلهية، وحينها لن يتبقى من بريقكم سوى سوادِ العمل، ولن يبقى من أنين الفقراء سوى نورٍ يضيء دروب الثورة.
"الأرض تتسع للجميع، لكن الجشع لا يشبع أبداً."
