نداءُ الضياءِ في عتمةِ القبور
قلم:وائل عبد السيد
في صمتِ المقابرِ حيثُ استكانَ الزمنُ طويلاً، انشقَّت حجبُ السماءِ عن فيضٍ من النورِ الإلهي، نورٌ لا يشبهُ ضياءَ الشمسِ في رابعةِ النهار، بل هو ضياءٌ يبعثُ الحياةَ في العظامِ وهي رميم. يقفُ ذلك الكائنُ النورانيُّ كجسرٍ بين الأرضِ والسماء، تحيطُ برأسهِ هالةٌ ساطعةٌ كأنها شمسٌ أزلية، تمدُّ أشعتها لتلامسَ جدرانَ القبورِ الموحشة، فتستحيلُ الظلمةُ فجراً، والصمتُ تسبيحاً.
انتفاضةُ الغبارِ وعودةُ الحياة
ها هو الغبارُ يثور، لا كعاصفةٍ مدمرة، بل كأنفاسٍ تعيدُ تشكيلَ الوجود. ترتفعُ ذراتُ الترابِ في رقصةٍ صوفية، معلنةً انكسارَ قيدِ الموت. تخرجُ الأجسادُ من مضاجعها الضيقة، تنفضُ عنها غبارَ الفناء، وتتطلعُ بعيونٍ ملؤها الدهشةُ والرهبةُ نحو ذلك المصدرِ العلوي. لم يعدِ الترابُ قبراً، بل صارَ مهدًا جديدًا لولادةٍ تليقُ بخلودِ الروح.
تضرعُ العائدين من غيابةِ الجب
ينحني العائدون في خشوعٍ تقشعرُّ له الأبدان، يرفعون أيديهم النحيلةَ التي أكلها الدهر، لا طلباً للنجاةِ فحسب، بل اعترافاً بجلالِ اللحظة. كلُّ زاويةٍ في الصورةِ تهمسُ بقصةِ انتظارٍ طويل، حيثُ يركعُ السائلون فوقَ حافةِ القبورِ المفتوحة، وكأنهم يقرؤون في وجهِ الضياءِ وعوداً قديمةً بالخلاص. الصليبُ القائمُ في الأفقِ يرتفعُ كمنارةٍ ثابتة، يربطُ التضحيةَ بالانتصار، والألمَ بالانبعاثِ العظيم.
عناقُ الفناءِ والأبدية
بين يديهِ الممدودتينِ بالرحمة، وبين ثيابِهِ التي تتماوجُ مع ريحِ القداسة، يذوبُ الفرقُ بين المادةِ والروح. إنها لحظةُ "الآن" التي لا تنتهي، حيثُ يتلاشى الخوفُ من العدمِ ليحلَّ محلهُ يقينُ البقاء. هذه الصورةُ ليست مجردَ مشهدٍ للبعث، بل هي قصيدةٌ بصريةٌ عن الأملِ الذي لا يموت، وعن النورِ الذي يجدُ طريقهُ دائماً إلى أعمقِ الحفر، ليرفعَ الإنسانَ من طينِ الأرضِ إلى رحابِ الملكوت.
