📁 آخر الأخبار

حين يصبح الاحتواء ضرورة لا رفاهية

 حين يصبح الاحتواء ضرورة لا رفاهية

بقلم: ماريان عماد

أخصائي الصحة النفسية وتعديل السلوك



لم يعد الحديث عن الصحة النفسية ترفًا فكريًا أو مصطلحًا نردده في الندوات فقط، بل أصبح ضرورة يومية تمس كل بيت، وكل علاقة، وكل طفل يحاول أن يفهم هذا العالم الكبير بقلب صغير.

في العيادة النفسية، لا نرى “مشكلات سلوكية” بقدر ما نرى رسائل غير منطوقة. الطفل الذي يصرخ كثيرًا، قد يكون عاجزًا عن التعبير. والمراهق الذي ينعزل، ربما يحتمي من ضغط لا يعرف كيف يشرحه. وحتى البالغ الذي يبدو غاضبًا باستمرار، قد يكون في داخله حزن مؤجل لم يجد من يصغي إليه.

السلوك دائمًا له سبب.

والقاعدة الذهبية في تعديل السلوك تقول:

“افهم قبل أن تُقيّم، واحتوِ قبل أن تُعاقب.”

كثير من الآباء يأتون باحثين عن “حل سريع” لإيقاف تصرف مزعج، لكن الحقيقة أن العلاج لا يبدأ بإسكات الصوت، بل بفهم مصدره. الطفل الذي يكذب مثلًا، قد يكون خائفًا من العقاب. والذي يضرب، ربما لم يتعلم بعد طريقة صحية للتعبير عن غضبه. وهنا يأتي دور التوجيه لا التوبيخ، والتعليم لا التخويف.

الصحة النفسية لا تعني غياب الحزن، بل القدرة على التعامل معه.

ولا تعني أن نعيش بلا ضغوط، بل أن نمتلك أدوات المواجهة.

وفي مجتمعنا، ما زال البعض يخلط بين القوة والكتمان، وبين الصبر والإنكار. لكن القوة الحقيقية هي أن نطلب المساعدة حين نحتاجها، وأن نُعلّم أبناءنا أن المشاعر ليست ضعفًا، بل جزء أصيل من إنسانيتنا.

نحتاج أن نُعيد تعريف التربية.

ليست سيطرة، بل قيادة.

ليست أوامر، بل حوار.

ليست خوفًا، بل أمانًا.

عندما يشعر الطفل بالأمان، يتحسن سلوكه تلقائيًا.

وعندما يشعر المراهق بالتقدير، يقل تمرده.

وعندما يجد الإنسان من يسمعه، يهدأ صراعه الداخلي.

الصحة النفسية تبدأ من البيت، بكلمة طيبة، بنظرة دعم، بوقت نوعي صادق.

فلا تبخلوا بالاحتواء… فهو ليس رفاهية، بل وقاية.

تعليقات