معراج الروح: بين مخالب الغواية ونور الهداية
قلم:وائل عبد السيد
على عتبات الوجود، حيث يتمايز النور من الظلمة، وتقف الروح حائرة بين نداء الأرض وجذب السماء، تبدأ الرحلة الكبرى. إنها ليست مجرد درجات من ذهب، بل هي احتراق المسافات بين العبد وربه، ومجاهدة النفس التي تتوق إلى التحرر من أغلال الطين. في هذه الصورة، نرى الإنسان مسافراً وحيداً بظاهره، لكنه محفوف بالرعاية بقلبه، يمضي بخطى واثقة نحو "الأحد" الصمد.
سُلّم الصعود: ثبات القلوب
تبدأ الحكاية بـ "الصلاة"، تلك العتبة الأولى التي يضع فيها المؤمن قدمه ليغسل غبار الدنيا عن روحه. هي الصلة التي لا تنقطع، والميناء الذي ترسو فيه سفن المتعبين. ومنها يرتقي إلى "الصبر"، ذاك الضياء الذي يضيء عتمة الشدائد، فالصبر ليس استسلاماً، بل هو ثبات الجبال في وجه العواصف العاتية. ثم تطل "التقوى" كحارس لليقظة، تجعل من القلب بوصلة لا تخطئ الحق، فمن اتقى الله جعل له من كل ضيق مخرجاً.
ومع كل درجة، يزداد النور توهجاً؛ فتأتي "التوبة" لتغسل ما مضى، معلنةً أن باب العودة مشرع دائماً، وأن الله يحب الأوابين. ثم يتعانق "الذكر" و**"الصدقة"** كجناحين يحلق بهما العبد في ملكوت الرضا؛ فالذكر يؤنس الوحشة، والصدقة تطفئ نار الخطايا وتزكي النفس من شحّها.
صراع الأضداد: مكر الغواية
على جانبي هذا المعراج النوراني، تتربص قوى الظلام. "إبليس" و**"الشيطان"**، برموزهما الموحشة وأنيابهما البارزة، يمثلان صوت الوسوسة وخوف الفقد. يقفان على صخور اليأس، يحاولان جذب المسافر إلى الهاوية بوعود كاذبة وتهديدات واهية. هما يدركان أن النور الذي يرتديه هذا العبد -اسم الجلالة "الله" الذي يتوسط ظهره وقلبه- هو درع حصين لا يُخترق.
تلك الوحوش ليست إلا تجسيداً لشهوات الدنيا، ونزغات الغضب، وهواجس الشك التي تحاول عرقلة المسير. لكن المؤمن، المتلفع ببرد اليقين، لا يلتفت يميناً ولا شمالاً؛ فمن كان وجهته "الحق"، لم تضره نباح الشياطين ولا صرخات الغاوين الغارقين في أسفل السلم.
نور الجلال: الوصول إلى الغاية
في نهاية هذا المعراج، يتفجر النور الإلهي كشمس لا تغيب. إنه الفتح المبين، والسكينة التي تغشى الروح حين تدرك أن كل التعب في الدرجات السابقة كان ثمناً بخساً للحظة قرب واحدة. هناك، حيث تذوب الأنا، ويغيب الساعي في بهاء المسعى إليه.
إنها دعوة لكل روح ضلت طريقها: أن انظري إلى هذا السلم، وابدئي بالخطوة الأولى. لا تخشي سواد الشياطين ولا كثرة المتربصين، فالله الذي جعل اسمه على قلبك، سيجعل نوره في طريقك، حتى تصل إلى سدرة المنتهى حيث الرضا والأمان والخلود.
