📁 آخر الأخبار

نحن.. وأوجاع الروح الخفية بقلم سيد جلال الفرماوى

نحن.. وأوجاع الروح الخفية

بقلم سيد جلال الفرماوى 



في زحام هذه الحياة، حيث تتدافع الأجساد في الشوارع وتتصادم الأكتاف دون أن تلتقي العيون، يقف الإنسان وحيداً أمام مرآته يسأل سؤاله الأزلي: "كيف أصبحت نفسي؟". إنها رحلة شاقة في دهاليز الذات، حيث لا خرائط ترشدك ولا أنوار تكشف لك عتمة المشاعر المتراكمة.


النفسية البشرية اليوم ليست مجرد حالة عابرة من حزن أو فرح، بل هي أشبه بلوحة تجريدية معقدة، رسمتها أنامل الأيام وريشة الصدمات وألوان الخذلان. هي ذاك الصوت الداخلي الذي يحدثك في صمت الليل، تارة يهمس لك بأنك قوي قادر على المواجهة، وتارة يصرخ في وجهك بأنك واهن لا تقوى على شيء.


ما أصعب أن تحمل روحاً بداخلها شرخ لا يلتئم! إنه شرخ لا تراه العيون، ولكنه ينزف في كل مرة نسمع فيها كلمة جارحة، أو نمر بتجربة قاسية، أو نفقد شخصاً كان بمثابة النافذة التي نطل منها على الحياة. هذا الشرخ هو ما نسميه "الألم النفسي"، ذلك الضيف الثقيل الذي يجلس على صدورنا دون استئذان، ويجعل من الفراش الصباحي جحيماً لا يطاق.


والأدهى من ذلك أننا نعيش في زمن يُنظر فيه إلى مشاعرنا وكأنها ترف لا يمكن تحمله. "تماسك"، "لا تضعف"، "ابتسم للحياة"... كلها جمل نسمعها كطلقات نارية تخاطب جروحنا، وكأن المشاعر الإنسانية أصبحت عورة يجب أن تستر، وأحزاننا أصبحت وصمة عار يجب أن نخفيها خلف أقنعة من البلاستيك نسميها "القوة".


لكن دعونا نكون صادقين للحظة: النفس البشرية ليست آلة معدة للإنتاج فقط، وليست وعاءً لا حدود لتحمله. هي كالريشة في مهب الريح، تتمايل بين نسمات الأمل وعواصف اليأس. هي التي تبكي حين يضيق بها العالم، وتضحك حين تضيء في داخلها شمعة صغيرة. هي التي تخاف من المجهول، وتقلق على المستقبل، وتتألم من الوحدة حتى وإن كانت بين ألف إنسان.


إن وصف النفسية اليوم ليس وصفاً لحالة فردية بقدر ما هو رسم لمشهد جماعي لروح العصر. إنها نفسية "الاغتراب" حيث نعيش معاً ولكن كل منا في عالمه الخاص. نفسية "الانتظار" حيث ننتظر الخلاص من شاشات هواتفنا، وننتظر السعادة من إشعارات لا تأتي، وننتظر الحب من قلوب أصبحت مشغولة بحب ذاتها.


في النهاية، تبقى النفسية البشرية ذلك السر الأعظم. هي ليست مجرد حالة مزاجية نصححها بجرعة دواء، ولا مشكلة نصلحها بقراءة كتاب. هي كيان حي يتغذى على الحب والأمان والتفهم. هي روح تتوق إلى من يقول لها بصدق: "أراك، أشعر بك، أنت لست وحدك". ولعل أول خطوة في طريق التعافي، هي أن نعترف لأنفسنا أننا لسنا بخير دائماً، وأنه من حقنا أن نكون ضعفاء أحياناً، فمن الضعف يولد الإنسان الحقيقي، ومن جراحه تنبت أقوى معانيه.

تعليقات