شطرنج الأمم: حين تضيق الأرض بالخرائط
قلم:وائل عبد السيد
في حضرة الطاولة الكبرى على بساطٍ من القلق، تمدُّ الأرضُ أطرافَها المنهكة،
ليست قاراتٍ تلك التي نراها، بل هي جراحٌ ملوّنة،
هنا، حيث تجلسُ "الرؤوس" خلفَ صمتٍ مهيب،
تتحولُ الأوطانُ إلى مجردِ قطعٍ في لعبةٍ لا تنتهي.
خلفهم تصطفُّ الأعلام، كغابةٍ من الوعود المتشابكة،
لكلِ لونٍ حكاية، ولكلِ نجمةٍ في القماشِ صرخةٌ لم تُسمع،
بينما القادةُ يحدقون، لا في عيونِ البشر، بل في انحناءاتِ الحدود،
كأنَّما العالمُ كعكةٌ قُدِّر لها أن تُقسَّم بمدادِ الحبرِ ونصلِ السياسة.
حمامةٌ في مهبِّ البارود تأملْ ذلك البياضَ المرتجفَ فوق خارطةِ الشمال،
حمامةٌ تجدفُ بجناحيها في هواءٍ ثقيلٍ برائحةِ الصراع،
تبحثُ عن غصنِ زيتونٍ لم تدهسهُ جنزيراتُ الدبابات،
فوق أمريكا، فوق آسيا، فوق القلوبِ المبعثرة،
تطيرُ "حمامة السلام" كفكرةٍ هاربةٍ من سجنِ الواقع،
يحيطُ بها حديدُ الموت: طائراتٌ ترقبُ السكون،
ودباباتٌ صغيرة كأنها لُعبٌ، لكنَّ جمرَها يحرقُ المدائن،
فهل تكفي ريشةٌ بيضاء لتمسحَ غبارَ القذائفِ عن وجهِ التاريخ؟
الرجلُ الواقفُ.. ميزانُ الحكمةِ أم رقيبُ المشهد؟ في صدرِ الصورة، يقفُ بوشاحِ الصفاء،
باسطاً يديهِ كأنهُ يحاولُ احتواءَ هذا الشتات،
رجلٌ يرتدي السكينةَ في زمنِ الضجيج،
خلفه لافتاتٌ كُتبت بمدادِ "الإستراتيجية" و"الاقتصاد"،
وكأن لسانَ حاله يقول: كفانا تقسيماً لما لا يتجزأ،
الأرضُ واحدة، وإن تعددت فوقها الراياتُ والمصالح،
هو الشاهدُ الذي يرى ما لا يراه الجالسون الغارقون في الأوراق،
يرى أن الإنسانَ أغلى من المساحات، وأن الروحَ أثمنُ من الممرّات.
صخبُ الأوراقِ وصمتُ الميدان انظرْ إلى الطاولةِ السفلى، حيثُ تزدحمُ التقارير،
هنا تُصنعُ الأقدارُ بلمسةِ قلمٍ وبحثٍ في "لاب توب" بارد،
أرقامٌ، إحصائيات، رسومٌ بيانيةٌ تقررُ مصيرَ قريةٍ بعيدة،
الكلُّ منهمكٌ في فكِّ شيفرةِ "القوة"،
بينما الخارطةُ في المنتصف تضجُّ بوجوهِ الناس،
كأنَّ القاراتِ لم تُصنع من تراب، بل من أجسادِ البشر،
تلك الحشودُ الصغيرة المتراصة في "أفريقيا" و"أوروبا"،
هم الوقودُ وهم الضحايا، وهم الحالمون بغدٍ بلا "طاولات مستديرة".
خاتمة: الأرضُ لمن يزرعها لا لمن يرسمها في نهايةِ المشهد، تظلُّ الحقيقةُ معلقةً كالضباب،
هل سينتصرُ البياضُ الذي تحملهُ تلك الحمامة؟
أم ستبقى الدباباتُ هي "فواصل" الكلامِ بين الدول؟
الصورةُ ليست مجرد اجتماع، بل هي مرآةُ وجعِنا المعاصر،
حيثُ يتصارعُ "المنطقُ العسكري" مع "الحلمِ الإنساني"،
وحيثُ ننتظرُ جميعاً أن تتحولَ هذه الخرائطُ الصامتة،
من ميادينَ للمعارك، إلى حدائقَ كبرى للتعايش.
