قصة: خيوط الوهم (غدر الحياة)
قلم: وائل عبد السيد
كان "ياسين" رجلًا بنى حياته على صخرة من الثقة المطلقة فيمن حوله. قضى عشرين عامًا ينسج من عرق جبينه أحلامًا لغيره قبل نفسه، مؤمنًا بأن الوفاء عُملة تُردُّ بمثلها، وأن القلوب التي أضاء قناديلها في عتمتها، لن تتركه أبدًا في مهب الريح.
في ذروة نجاحه، حين ظن أنه استند إلى جدار لا يميل، بدأت خيوط الحكاية تلتوي. لم يأتِ الغدر من عدوٍ يتربص به في الظلام، بل جاء من رفيق الدرب الذي كان يشاركه رغيف الخبز ودفء الأسرار. في لحظة طمع عابرة، تحول الجدار الذي احتمى به "ياسين" إلى فخٍ سدَّ عليه منافذ النور.
استيقظ "ياسين" ذات صباح ليجد ممتلكاته مجرد أوراق لا قيمة لها، وكلمات العهود التي نُقشت على جدران الذاكرة قد مُحيت بفعل المصالح الضيقة. كان وقع الصدمة أشد من ضياع المال؛ فغدر الحياة لا يكسر العظام، بل يكسر تلك الروح الوثابة التي كانت تظن العالم بستانًا من النوايا الحسنة.
اعتزل "ياسين" ضجيج المدينة، وجلس أمام البحر يرقب الأمواج التي تغدر بالشواطئ ثم تعود لتعانقها. أدرك حينها أن الحياة لا تخدعنا، بل نحن من نخدع أنفسنا حين نمنح الأمان المطلق لمن هم بشرٌ يتقلبون مع تقلب المصالح. الغدر ليس سوى مرآة تكشف لنا حقيقة من اصطفيناهم، وهو الدرس القاسي الذي يعيد صياغة وعينا من جديد.
لم ينكسر "ياسين" طويلاً، بل نهض من رماد خيبته، حاملاً معه حكمةً غالية: "أن تزرع الخير هو واجبك تجاه نفسك، لكن أن تتوقع حصاده من البشر هو وهمك الذي يجب أن تتحرر منه". تعلم أن القوة لا تكمن في تجنب الطعنات، بل في القدرة على الوقوف مجددًا والابتسام للحياة، بقلبٍ أكثر حذرًا، وروحٍ لا تزال تؤمن بأن النور لا ينطفئ بظلام الآخرين.
