النهاية
بقلم: سيد جلال الفرماوي
في صباح بارد من ديسمبر، جلست "نادية" على مقعدها الخشبي المطل على النيل، تحدق في المياه الرمادية التي تجري بلا توقف. كانت تعلم أن هذا الصباح مختلف.
خرجت من جيب معطفها القديم ورقة مطوية بعناية، فتحتها بأصابع مرتجفة. كانت النتائج النهائية للفحوص الطبية. كلمة واحدة فقط كانت كافية لتغير كل شيء: "خبيث".
لم تذرف دمعة. بدلاً من ذلك، رفعت بصرها إلى السماء حيث كانت طيور النورس تحلق بحرية. تذكرت فجأة وصية والدها قبل أن يرحل بعشر سنوات: "عيشي كل يوم وكأنه نهاية العالم، لكن احلمي كأن الغد سيأتي حتماً".
ابتسمت نادية ابتسامة حزينة. أخرجت هاتفها القديم، وبدأت تتصل بأرقام لم تتصل بها منذ سنوات. ابنها في أمريكا الذي لم يره منذ ثلاث سنوات، صديقة الطفولة التي تخاصمت معها بسبب تافه، وجارها العجوز الذي كانت تتجاهل تحياته كل صباح.
كل مكالمة كانت أقصر من التي تسبقها. لكنها كانت تشعر بثقل يرفع عن صدرها مع كل "أنا آسفة" و"أحبك" تهمس بها.
عند الظهيرة، وقفت من مقعدها، واتجهت إلى كشك بائع الزهور القريب. اشترت زهرة ياسمين بيضاء واحدة، وعلقتها في شعرها المتساقط. ثم مشيت ببطء نحو النيل.
المارة لم ينتبهوا لها. كانوا مشغولين بهواتفهم وهمومهم الصغيرة. لكنها رأت كل شيء بوضوح الآن: التفاصيل الصغيرة التي كانت تغفل عنها، الألوان التي كانت باهتة أصبحت زاهية، الأصوات التي كانت مزعجة أصبحت لحناً.
جلست على حافة الرصيف، أخرجت دفتراً صغيراً وقصاصات أوراق ملونة. كتبت رسالة واحدة قصيرة:
"لم أكن أعلم أن النهاية ستكون بهذا الجمال. ليتني عرفت مبكراً."
طوت الورقة ووضعتها تحت الزهرة البيضاء، ثم تركت نفسها تسترخي للمرة الأولى منذ سنوات.
لم تسمع نادية صفارات الإسعاف التي جاءت بعد ساعة. لم ترَ الدموع التي ذرفها ابنها عندما وصل بعد يومين. لكن الورقة الصغيرة بقيت هناك، تحت الزهرة الذابلة، تروي قصة امرأة اكتشفت أخيراً كيف تعيش... قبل أن تنتهي القصة.
في اليوم التالي، جلس غريب على نفس المقعد الخشبي. وجد الورقة وقرأها. لم يعرف من كتبتها، لكنه أخرج هاتفه فوراً واتصل بوالدته التي لم يتصل بها منذ شهرين.
النهاية أحياناً تكون بداية لمن يبقون.
