📁 آخر الأخبار

طريقى الى السقوط

 


بقلم / أحمد درويش العربى

من مجموعة رحلة اللا عودة

نعم... قد غادرتُ المنزل، ولن أعود إليه مرةً أخرى.
همست الكلمات كأنها تُقال لمرآةٍ غائمة داخل رأس ماهر، لا لأحدٍ بعينه.

كان يسير بخطواتٍ متسارعة نحو سيارته الواقفة أسفل البناية؛ خطواتٍ تحاول مجاراة نبضه المضطرب، لكنها تعجز.

فتح الباب بقوة، جلس خلف المقود، ثم أدار المحرّك بعنفٍ جعله يهتزّ كما يهتزّ صدره المكتظ بالغضب.

انطلقت السيارة تشقّ ليل المدينة، والمصابيح تمتدّ على الطريق كشرائط ضوءٍ باهتة.

كان ماهر يضرب المقود كل دقيقة تقريبًا، وكأنه يعاقبه بدلًا من أن يعاقب نفسه.

ومع كل ضربة، تتصاعد من صدره أنفاسٌ حارّة، تختلط بمرارةٍ لم يعرف لها مثيلًا من قبل.

وفجأة... بدأت صور الماضي تتساقط أمام عينيه على الزجاج الأمامي، كأن الليل نفسه قرّر أن يضعه على كرسي الاعتراف.

فلاش باك: أمل

ظهرت أمل أولًا، بابتسامتها الخجولة، بحقيبتها الممزقة التي كانت تخجل من حملها في الجامعة، وبعينيها اللتين طالما أضاءتا عتمة أيامه.

سمع صوتها كما لو أنها تجلس إلى جواره الآن:
ماهر... ما نملكش غير بعض. يوم ما تبقى حاجة كبيرة، أوعى تنسانا.

لكنه نسي، بل تناسى.

تركها خلفه حين شعر أن الفقر يكبّل أحلامه، وأن الحب وحده لا يصنع مستقبلًا.

تركها وهو يعلم أنها تتعلّق به كالغريق، لكنه اختار أن يسبح وحده... نحو ضفّةٍ لم يكن يعرف أنها موحلة.

ثم ظهر مشهدٌ آخر... جسد أمل محمولًا على أكتاف رجال الإسعاف، والوجوه المرتاعة من حوله، ووالدتها التي انهارت وهي تردّد كلماتٍ لم يستطع نسيانها:
هي ماتت وهي مستنياك... ماتت وهي مكسورة.

أغلق ماهر عينيه بقوة، لكن الصور ازدادت وضوحًا.

فلاش باك: نسرين

ظهرت نسرين بعدها، بثقتها المفرطة، بثيابها اللامعة، ونبرة صوتها الحادّة.

تذكّر جيدًا تلك الليلة التي أدرك فيها أنها بوابته نحو عالمٍ آخر... عالمٍ لا يشبه أحياء طفولته ولا أكواخ صباه.

توالت المشاهد:
نسرين تقدّمه لوالدها، رجل الصناعة الشهير.
قلمه يوقّع أول عقد عمل في شركتهم.
حفل الزفاف المترف، الذي شعر فيه أنه ضيفٌ أكثر من كونه عريسًا.

سلالم الثراء التي صعدها بسرعة، تاركًا خلفه قيمه ومبادئه، كما يترك المرء معطفًا ثقيلًا في محطةٍ قديمة.

ثم ظهرت مشاهد أبعد... بناته الصغيرات، وضحكاتهن التي بدأت تُخفي وراءها شيئًا آخر؛ شيئًا يشبه قلقًا لم يجرؤ على الاعتراف به.

كان يرى في تصرّفات نسرين أمامهن انسلاخًا كاملًا عن أي مسؤولية؛ تبريراتها المرفّهة، حياتها التي لا تعرف حدودًا.

وفي آخر الفلاش، ظهر المشهد الأشدّ قسوة... المشهد الذي هدم ما تبقّى من زهوه:

نسرين تجلس على أريكتها، ساقًا فوق ساق، وتقول ببرودٍ قاتل:
ما كنتش غير رهان... أنا وصاحباتي. قلنا نقدر نخليك تسيب بنت الحواري اللي بتحبها... وقدرت.
أنت أخدت اللي أنت عايزه... وأنا كمان.

ثم ضحكت... ضحكت.

وارتدّ صدى ضحكتها داخل صدره كرصاصة.

انقطع شريط الذاكرة فجأة، وعاد وعيه إلى الطريق.

كانت يداه ترتجفان على المقود، والعرق ينساب على جبينه رغم برودة الليل.

لازم أرجع.

قالها بصوتٍ مسموع، كأنه يحاول إقناع نفسه بأنه ما زال قادرًا على إصلاح شيء... أي شيء.

قرّر العودة إلى الحيّ القديم، إلى المكان الذي بدأ منه كل شيء، لعلّه يستطيع أن يخلع عنه ذلك الثوب المقيت الذي نسجه من الطمع والخيانة.

ضغط على دواسة البنزين بقوة، وكأن السرعة يمكن أن تلغي الجريمة... أو تعيد الموتى.

لكن...

لم ينتبه إلى أن الطريق أصبح باتجاهٍ واحد.
لم ينتبه إلى اللافتة الحمراء التي تحذّر من الانحدار.
لم ينتبه إلى أنه يسير بسرعةٍ جنونية تهدّد بابتلاع ما تبقّى من عمره.

ولم يرَ الجرف العظيم إلا في اللحظة التي انفتح فيها الفراغ أمامه، كفمٍ هائلٍ يريد ابتلاعه.

شهق ماهر...

ثم اختفى الصوت.
واختفت السيارة.
واختفى هو معها...

في طريقٍ لم يكن فيه عودة... كان رحلة بدون عودة.

تعليقات