بقلم محمد هاشم شوشه
الجزء الثاني: رائحة اليود
صعد مروان درجات السلم الرخامية لبيتهم القديم في حي "الملاحة". كان صمت البيت يقطعه فقط صوت "تكتكة" ساعة الحائط الخشبية. فُتح الباب، وظهر الريس صابر. كان وجهه عبارة عن خريطة من التجاعيد التي حفرها ملح البحر وشمس القناة، لكن عينيه كانتا بحدة صقر لا يشيخ.
لم تكن الأحضان بينهما طويلة، فالسوايسة رجال جُبلوا على الصلابة، لكن نظرة الأب كانت تقول ما تعجز عنه المجلدات.
عشاء على ضوء القناة
جلس مروان مع والده على مائدة العشاء؛ "سمك شعور" طازج ورائحة الأرز الصيادية التي لا تُقاوم. حاول مروان فتح موضوع عمله الجديد:
"يا حج صابر، أنا مجهز مشروع لتطوير حركة اللوجستيات في الميناء، سيستم جديد هيخلي السفينة تخلص ورقها وهي لسه في عرض البحر.. مفيش زحام، مفيش تأخير."
توقف الريس صابر عن الأكل، ونظر إلى ابنه بهدوء قاتل:
"والبشر يا مروان؟ العمال اللي بيجروا على الرصيف، والمخلصين اللي حافظين خبايا المينا بالنظر.. السيستم بتاعك ده هيدوس على أرواحهم؟ السويس يا ابني مش أرقام في كمبيوتر، السويس حركة يد وعرق جبين."
كان هذا أول اصطدام حقيقي. مروان يرى "الكفاءة"، والأب يرى "الإنسان".
جولة في قلب المدينة
في المساء، قرر مروان التمشية بمفرده لتهدئة أعصابه. اتجه صوب "الخور". هناك، رأى الصيادين الصغار يجهزون قواربهم لرحلة ليلية. لم يكن المشهد قديماً تماماً؛ فالصيادون الآن يستخدمون أجهزة "GPS" حديثة، لكنهم لا يزالون يغنون ذات الأغاني التي كان يغنيها جده.
التقى بـ "نور" مرة أخرى بالصدفة عند الممشى الجديد. كانت تجلس تراقب الأضواء المنعكسة على الماء.
"والدك مش سهل يا مروان"، قالت نور وهي تبتسم، "هو شايف إن التكنولوجيا بتسرق من المدينة خصوصيتها، وأنت شايف إنها الحل الوحيد عشان السويس متفضلش محلك سر."
رد مروان وهو يتأمل السفن: "أنا عاوز أحمي السويس يا نور. العالم بيجري، ولو مفضلناش في المقدمة، هنبقى مجرد ممر والسفن بتعدي من قدامنا من غير ما نحس بيها."
الحدث المفاجئ
بينما هما يتحدثان، انطلقت صفارات الإنذار من ناحية الميناء بشكل متقطع ومضطرب. بدأ الناس يجرون باتجاه الحاجز المائي. رنت نغمة رسالة عاجلة على هاتف مروان من زميله القديم في الشركة:
"مروان، سفينة حاويات ضخمة فقدت السيطرة جزئياً على الدفة عند المدخل الجنوبي.. فيه ارتباك في التوجيه!"
لم يتردد مروان ثانية واحدة. ركض باتجاه الميناء، وخلفه نور. كانت الرائحة في الجو قد تغيرت؛ لم يعد اليود وحده هو المسيطر، بل رائحة "الديزل" والتوتر الذي يسبق العاصفة.
خاتمة الجزء
وقف مروان على حافة الرصيف، يراقب وحشاً فولاذياً يقترب من الرصيف بشكل خاطئ. في هذه اللحظة، رأى قارب جره صغيراً يقوده رجل بكل جسارة لمحاولة تعديل المسار.. كان هذا القارب هو قارب والده، الريس صابر.
أدرك مروان في تلك اللحظة أن التكنولوجيا التي يحملها في حقيبته قد لا تنفع الآن، وأن "روح" المدينة وخبرة رجالها هي الخط الفاصل بين النجاة والكارثة.
ترقبوا الجزء الثالث: صراع الأجيال (هل ينجح مروان في إنقاذ الموقف باستخدام علمه، أم أن خبرة الريس صابر هي التي ستحسم المعركة؟)
