📁 آخر الأخبار
بقلم محمد هاشم شوشه

الجزء الرابع: قهوة "الغريب"


​كانت الشمس تميل نحو الغروب، لتصبّ لوناً نحاسياً دافئاً فوق مآذن مسجد "سيدي الغريب". في هذا الزقاق الذي تفوح منه رائحة البخور الممزوجة برذاذ البحر المالح، كان الزمان يبدو وكأنه توقف. ترك "مروان" سيارته الحديثة عند أطراف الحي، وشعر أن بدلة العمل الرسمية التي يرتديها غريبة تماماً على هذا المكان، كأنها جسم غريب يحاول اختراق نسيج من الذكريات.

​اتجه مروان إلى "مقهى الصمود"، وهي قهوة صغيرة لا تزيد مساحتها عن بضعة أمتار، لكن تاريخها يمتد لعقود. هناك، كان "العم منسي" يجلس في ركنه المعتاد، يمسك بسبحته الكهرمانية وعيناه تراقبان المارة بحكمة السنين.

"أهلاً بابن الغالي.. أهلاً بمروان صابر،" قالها العم منسي وصوته أجش لكنه يحمل نبرة ترحيب حقيقية.

​جلس مروان على "تختة" خشبية متهالكة، وطلب قهوة "زيادة". فتح جهازه اللوحي (Tablet) وبدأ يعرض على العم منسي ومن حوله من كبار الصيادين والعمال المتقاعدين مخططاته الجديدة.

"يا عم منسي، المنطقة الاقتصادية بتكبر، والسويس محتاجة تبقى ذكية (Digital). الميناء لازم يشتغل بنظام تتبع بالـ GPS، والصيادين لازم يعرفوا أماكن السمك والموج من الموبايل."

​صمت الجميع. لم يكن صمتاً من عدم الفهم، بل كان صمتاً يشبه هدوء ما قبل العاصفة. أخذ العم منسي رشفة من قهوته، ونظر إلى مروان وقال: "يا مروان يا ابني، إنت رجعت من بره بشهادات كبيرة، بس نسيت إن السويس مبيحكمهاش الورق.. بيحكمها القلب. الصياد اللي بيطلع الفجر، بيعرف مكان رزقه من ريحة الهوا، مش من شاشة بتنور."

مروان: "بس يا عمي، العالم اتغير، والسرعة هي اللي بتحكم دلوقتي. لو متطورناش، السفن الكبيرة هتروح موانئ تانية، والشباب مش هيلاقي شغل."

​هنا تدخل "أحمد"، صديق طفولة مروان الذي يعمل فنياً في أحواض السفن، وكان قد انضم للجلسة: "العم منسي عنده حق يا مروان. التكنولوجيا جميلة، بس إنت بتصمم مشروعك لشركات بتكسب ملايين، مش للناس اللي ساكنة في 'المثلث' و'كفر أحمد عبده'. إنت محتاج تنزل مشروعك من السحاب للأرض."

​في تلك اللحظة، رنّ جرس هاتفه برقم مجهول. كانت "نور"، مهندسة الطاقة التي سمع عنها الكثير في "الزعفرانة". كان صوتها يحمل نبرة عملية وقوية: "أستاذ مروان؟ أنا عرفت إنك في الغريب بتحاول تقنع الناس بـ 'السويس الديجيتال'. نصيحة.. متضيعش وقتك في الكلام عن البرمجيات، كلمهم عن 'الكهرباء' اللي هتوفرها لبيوتهم، وعن 'البنزين' اللي هيوفروا الصيادين. كلمهم بلغتهم."

​أغلق مروان الهاتف وهو يشعر بتخبط. نظر حوله.. إلى وجوه الناس المليئة بالشقاء والطيبة، وإلى الجدران التي تحمل صور الشهداء وصور السفن القديمة. أدرك في تلك اللحظة أن قهوة "الغريب" هي "غرفة العمليات" الحقيقية، وأن أي مستقبل للمدينة لا يمر عبر هذا الحي، هو مستقبل بلا روح.

​أغلق مروان جهازه اللوحي، وضعه في حقيبته، وقال بلهجة مختلفة تماماً: "عندك حق يا عم منسي. أنا مش عاوز أغير السويس.. أنا عاوز السويس هي اللي تغير مشروعي عشان ينفعها."

​ابتسم العم منسي، وضرب على كتف مروان قائلاً: "دلوقتي بس أقدر أقولك.. نورت بلدك يا بطل."

​خرج مروان من القهوة، وبينما كان يسير في شوارع الغريب الضيقة، بدأ يرى المدينة بعيون جديدة. لم تعد مجرد أرصفة وموانئ، بل أصبحت "نبضاً" يحتاج لمن يسمعه قبل أن يحاول برمجته. ومع أول نسمة هواء باردة قادمة من جهة القناة، همس لنفسه: "الحكاية لسه بتبدأ يا سويس."

تعليقات