📁 آخر الأخبار

تعب السكوت..ضجيج تحت القناع

من قال إن الساكت مرتاح؟.. حين يكون الصمت حربا ضروسا

بقلم باهر رجب

تعب السكوت
تعب السكوت


تعب السكوت - لطالما تغنى الشعراء بفضيلة الصمت، وأفرد الحكماء مجلدات في مدح "السكوت"، معتبرين إياه زينة العاقل ونجاة المتكلم. فمن منا لم يسمع المقولة الشهيرة: "إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب"؟ ولكن، دعونا نتوقف قليلا لنزيح الستار عن هذا "الذهب" المزعوم، لنكتشف خلفه ضجيجا لا يهدأ، ومعارك طاحنة تدار في صمت مطبق. الحقيقة التي يغفلها الكثيرون هي أن السكوت ليس غيابا للحركة، بل هو قمة المقاومة. ومن قال إن الساكت مرتاح، فهو إما لم يختبر مرارة الصمت القسري، أو أنه يكتفي بقشرة الهدوء الخارجي دون النفاذ إلى عمق النفس البشرية.

اقرأ أيضا

تعب السكوت زيف الهدوء: ما وراء القناع

حين تنظر إلى شخص يلوذ بالصمت وسط عاصفة من الجدل، أو يبتلع كلماته في لحظة ظلم، قد تظن أنه "بارد المشاعر" أو "مستريح البال". لكن الواقع يخبرنا أن هذا الشخص يبذل مجهودا عضليا و ذهنيا يفوق بمراحل مجهود الصراخ. إن حبس الكلمة في الحنجرة يشبه محاولة كتم انفجار بداخل زجاجة رقيقة. أنت لا "تسكت" فحسب، بل أنت تمنع، تكبح، تراقب، وتضغط على أعصابك كي لا تفلت منك نبرة أو تائهة تفضح ما يدور بداخلك. هذا الاستنزاف العصبي هو ضريبة الصمت التي لا يراها أحد.

اقرأ أيضا

ميكانيكا الصمت: طاقة جبارة في الاتجاه المعاكس

من الناحية النفسية، الكلام هو عملية "تفريغ"، وهو مجهود طبيعي يهدف إلى موازنة الضغط النفسي. أما الصمت، فهو عملية "تخزين" وضغط. فكر في الأمر كالتالي:

الكلام:

سهم ينطلق من القوس، مجهوده ينتهي لحظة الإطلاق.

الصمت:

وتر مشدود إلى أقصى درجة، يتطلب منك قوة مستمرة للحفاظ على وضعيته دون أن ينقطع أو ينفلت. إن المجهود الذي تبذله لكي "لا تتكلم" يتضمن معالجة الأفكار، فلترتها، توقع ردود الفعل، ثم اتخاذ قرار واعي بوأد الفكرة في مهدها. كل هذه العمليات تحدث في ثوانى معدودة، وتستهلك من طاقتك النفسية ما قد يكفي لإلقاء خطبة عصماء!

اقرأ أيضا

تعب السكوت..لماذا نصمت إذا؟

إذا كان الصمت بهذا القدر من الإرهاق، فلماذا نختاره؟ غالبا ما يكون الصمت تضحية لا راحة. 1 - حماية الآخرين: قد نسكت لأن الحقيقة جارحة، أو لأن الكلمات قد تهدم بيوتا وعلاقات. 2. اليأس من الفهم: أحيانا يكون الصمت اعترافا ضمنيا بأن "الكلام لن يغير من الأمر شيئا"، وهو قمة الوجع. 3. الحفاظ على الوقار: الصمت هنا هو درع يحمي الهيبة، لكنه درع ثقيل جدًا يرهق كاهل من يحمله.

"الصمت هو الصراخ الأكثر ارتفاعا، لكنه موجه للداخل."

تعب السكوت..ضجيج الذاكرة واحتراق الأعصاب

الساكت لا يستريح لأن عقله لا يسكت. في الصمت، تعاد صياغة الحوارات آلاف المرات؛ "كان يجب أن أقول كذا"، "لو رددت بهذا الرد لكان أفضل". هذا المونولوج الداخلي هو استنزاف مستمر للروح. الساكت يحمل أحمالا ثقيلة من الكلمات غير المنطوقة، والتي تتحول مع الوقت إلى "سموم نفسية" إذا لم تجد لها مخرجا. لذا، فقبل أن تحسد شخصا على هدوئه، أو تظن أن سكوته علامة على الرضا أو الراحة، تذكر أن هذا الهدوء قد يكون هدوء ما قبل الانفجار، أو ربما هو هدوء الأنقاض بعد معركة داخلية طاحنة لم يخرج منها أحد منتصرا.

تعب السكوت: رفقا بالصامتين

إن الصمت في كثير من الأحيان هو "عمل شاق"، ومهمة تتطلب شجاعة وقدرة عالية على التحمل. فالكلام سهل، و الثرثرة متاحة للجميع، لكن السيطرة على اللسان وسط فوران المشاعر هي البطولة الحقيقية. من قال إن الساكت مرتاح؟ الساكت هو أكثرنا تعبا، لأنه قرر أن يحمل عبء الكلمة وحده بدلا من أن يلقي بها في وجوه الآخرين. فارحموا من يلوذ بالصمت، فخلف ذلك الوقار جيوش من الكلمات تحاول الانتحار.
تعليقات