من قال إن الساكت مرتاح؟.. حين يكون الصمت حربا ضروسا
بقلم باهر رجب
تعب السكوت - لطالما تغنى الشعراء بفضيلة الصمت، وأفرد الحكماء مجلدات في مدح "السكوت"، معتبرين إياه زينة العاقل ونجاة المتكلم. فمن منا لم يسمع المقولة الشهيرة: "إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب"؟ ولكن، دعونا نتوقف قليلا لنزيح الستار عن هذا "الذهب" المزعوم، لنكتشف خلفه ضجيجا لا يهدأ، ومعارك طاحنة تدار في صمت مطبق. الحقيقة التي يغفلها الكثيرون هي أن السكوت ليس غيابا للحركة، بل هو قمة المقاومة. ومن قال إن الساكت مرتاح، فهو إما لم يختبر مرارة الصمت القسري، أو أنه يكتفي بقشرة الهدوء الخارجي دون النفاذ إلى عمق النفس البشرية.تعب السكوت زيف الهدوء: ما وراء القناع
حين تنظر إلى شخص يلوذ بالصمت وسط عاصفة من الجدل، أو يبتلع كلماته في لحظة ظلم، قد تظن أنه "بارد المشاعر" أو "مستريح البال". لكن الواقع يخبرنا أن هذا الشخص يبذل مجهودا عضليا و ذهنيا يفوق بمراحل مجهود الصراخ. إن حبس الكلمة في الحنجرة يشبه محاولة كتم انفجار بداخل زجاجة رقيقة. أنت لا "تسكت" فحسب، بل أنت تمنع، تكبح، تراقب، وتضغط على أعصابك كي لا تفلت منك نبرة أو تائهة تفضح ما يدور بداخلك. هذا الاستنزاف العصبي هو ضريبة الصمت التي لا يراها أحد.ميكانيكا الصمت: طاقة جبارة في الاتجاه المعاكس
من الناحية النفسية، الكلام هو عملية "تفريغ"، وهو مجهود طبيعي يهدف إلى موازنة الضغط النفسي. أما الصمت، فهو عملية "تخزين" وضغط. فكر في الأمر كالتالي:الكلام:
سهم ينطلق من القوس، مجهوده ينتهي لحظة الإطلاق.الصمت:
وتر مشدود إلى أقصى درجة، يتطلب منك قوة مستمرة للحفاظ على وضعيته دون أن ينقطع أو ينفلت. إن المجهود الذي تبذله لكي "لا تتكلم" يتضمن معالجة الأفكار، فلترتها، توقع ردود الفعل، ثم اتخاذ قرار واعي بوأد الفكرة في مهدها. كل هذه العمليات تحدث في ثوانى معدودة، وتستهلك من طاقتك النفسية ما قد يكفي لإلقاء خطبة عصماء!تعب السكوت..لماذا نصمت إذا؟
إذا كان الصمت بهذا القدر من الإرهاق، فلماذا نختاره؟ غالبا ما يكون الصمت تضحية لا راحة. 1 - حماية الآخرين: قد نسكت لأن الحقيقة جارحة، أو لأن الكلمات قد تهدم بيوتا وعلاقات. 2. اليأس من الفهم: أحيانا يكون الصمت اعترافا ضمنيا بأن "الكلام لن يغير من الأمر شيئا"، وهو قمة الوجع. 3. الحفاظ على الوقار: الصمت هنا هو درع يحمي الهيبة، لكنه درع ثقيل جدًا يرهق كاهل من يحمله."الصمت هو الصراخ الأكثر ارتفاعا، لكنه موجه للداخل."
