📁 آخر الأخبار

إلى متى ستحيا؟ وكم بقي من عمرك؟ ​بقلم: سيد جلال الفرماوي

 

إلى متى ستحيا؟ وكم بقي من عمرك؟

بقلم: سيد جلال الفرماوي



​بين ضجيج الحياة المتسارع ولهثنا المستمر خلف لقمة العيش أو بريق النجاح، يباغتنا سؤال صامت، يسكن في الزوايا البعيدة من عقولنا، لكنه يفرض نفسه بقوة حين تخلو النفس إلى ذاتها: "إلى متى ستحيا؟ وكم بقي من عمرك؟"

​ليس هذا السؤال دعوة للتشاؤم أو استحضاراً للنهايات، بل هو "وقفة كاشفة" تعيد ترتيب الأولويات. فنحن نقضي أعمارنا ونحن نخطط للغد، ونراكم الأحلام لسنوات قادمة، متناسين أن العمر ليس مجرد أرقام تُطوى في سجلات الزمن، بل هو بصمة نتركها في قلوب من نحب، وقيمة نضيفها للعالم من حولنا.

الحياة ليست بعدد السنين

​إن المقياس الحقيقي للعمر لا يكمن في عدد الشموع التي نطفئها كل عام، بل في تلك اللحظات التي شعرنا فيها أننا أحياء حقاً. كم ساعة قضيتها في جبر خاطر؟ كم يوماً مرّ وأنت تصنع أثراً يبقى خلفك؟

​إننا في عالم الصحافة، وفي دروب الأدب، ندرك تماماً أن الكلمة قد تعيش مئات السنين بعد رحيل صاحبها. وكذلك الفعل النبيل، والعمل المخلص، والابتسامة الصادقة في وجه عابر سبيل. العمر الحقيقي هو "عمر الأثر"، فكم من شخص رحل شاباً وظل ذكره حياً كأنه بيننا، وكم من معمر يعيش في هامش الحياة لا يشعر به أحد.

الاستثمار في "ما تبقى"

​بدلاً من القلق حول "كم بقي"، الأجدى أن نسأل: "كيف سأقضي ما بقي؟".

  • ​هل سنظل أسرى لترددنا ومخاوفنا؟
  • ​هل سنستمر في تأجيل كلمات الحب والامتنان لمن يستحقونها؟
  • ​هل سنبقى في دوامة العمل الآلي دون أن نغذي أرواحنا بالقراءة، أو الكتابة، أو التأمل؟

​إن إدراكنا لضيق الوقت هو المحرك الأقوى للإبداع والإنجاز. هو الذي يدفع الكاتب ليخط أجمل رواياته، ويدفع الصانع ليتقن أدق تفاصيل مهنته، ويدفع الأب ليحتضن أبناءه بحب يغنيهم عن العالم.

كلمة أخيرة

​الحياة رحلة قصيرة، مهما طالت. والذكاء ليس في إطالة أمد الرحلة فحسب، بل في جعل كل محطة فيها تستحق الوقوف. لا تسأل القدر عن موعد النهاية، بل اسأل نفسك كل صباح: "ماذا سأكتب اليوم في صفحة عمري؟".

​اجعل ما تبقى من عمرك "حياة"، ولا تكتفِ بأن يكون مجرد "بقاء". اترك خلفك ما يستحق أن يُروى، وما يجعل اسمك يتردد بالخير، فبقاء الإنسان الحقيقي يبدأ حين يقرر أن يكون لحيته معنى يتجاوز حدود جسده.

تعليقات