📁 آخر الأخبار

السويس روحى الجزء الاول

 الجزء الأول: بوابة العالم

كتب محمد هاشم شوشه



​انطلقت حافلة "السوبر جيت" من القاهرة في تمام الخامسة فجراً، تاركةً وراءها زحام العاصمة وضجيجها الخانق. داخل الحافلة، كان "مروان" يسند رأسه إلى زجاج النافذة البارد، يراقب الطريق الصحراوي وهو ينسحب من تحت العجلات. بعد عشر سنوات من الغربة في "روتردام" بهولندا، عاد مروان وهو يحمل في جعبته شهادات عليا في إدارة الموانئ الذكية، لكنه كان يحمل في قلبه ثقباً كبيراً لا يملؤه إلا هواء القناة.

​عندما بدأت لافتات الطريق تشير إلى "السويس: 20 كم"، شعر مروان بانقباضة محببة في صدره. لم تكن السويس التي تركها هي ذاتها التي يراها الآن. كانت أعمدة الإنارة الحديثة على طول طريق السخنة تتلألأ كعقد من اللؤلؤ، والمساحات الخضراء بدأت تغزو اللون الأصفر للصحراء.

لحظة الوصول

​توقفت الحافلة في موقف "الأربعين" الجديد. نزل مروان، وبمجرد أن لامست قدماه الأرض، صدمته تلك الرائحة الفريدة؛ مزيج عجيب من اليود، والملح، ورائحة التوابل القادمة من المحلات القريبة. استنشق الهواء بعمق حتى ملأ رئتيه، وكأنه يسترد أنفاساً كانت مسلوبة منه في بلاد الصقيع.

​"يا بلد الغريب.. يا سويس"

​كان هذا صوت "كاسيت" ميكروباص يمر مسرعاً، وكأن المدينة ترحب به بنشيدها الخاص. استقل مروان "تاكسي" أبيض في أزرق -الألوان المميزة للمدينة- وطلب من السائق التوجه إلى حي "بورتوفيق".

المشهد المتغير

​طوال الطريق، كان مروان يراقب التغيرات بذهول:

• ​الممشى العالمي الجديد: رأى الناس يركضون بملابسهم الرياضية، والمقاهي العصرية التي تطل على القناة مباشرة.

• ​السفن: لم تعد مجرد سفن شحن عادية، بل كانت ناقلات غاز عملاقة وحاملات حاويات بطول ناطحات سحاب، تعبر القناة في صمت مهيب وكأنها ملوك تجوب مملكتها.

​السائق، وهو رجل خمسيني ذو وجه لفحته شمس القناة، لاحظ دهشة مروان، فقال بلهجة سويسية أصيلة:

"نورت بلدك يا باشمهندس.. السويس اتغيرت، لبست توب جديد بس لسه قلبها هو هو.. شقي وعفِي."

اللقاء الأول

​وصل مروان إلى منطقة "الملاحة" حيث يسكن والده، الريس صابر. نزل أمام البيت القديم الذي يطل جزئياً على المجرى الملاحي. وقف لثوانٍ يتأمل البيت، قبل أن يلمح فتاة تقف على ناصية الشارع، تمسك بجهاز "لابتوب" وتوجه بعض العمال الذين يركبون وحدات إضاءة تعمل بالطاقة الشمسية.

​كانت هي، "نور". لم يراها منذ أن كانت طفلة صغيرة تركض خلفه في "النادي الاجتماعي". الآن أصبحت مهندسة قوية الملامح، تبدو وكأنها جزء من هندسة هذه المدينة الجديدة.

​التقت عيناهما للحظة، ابتسمت نور وكأنها كانت تنتظره، وقالت بصوت هادئ وسط ضجيج المدينة:

"حمد لله على السلامة يا مروان.. السويس كانت مستنية ولادها يرجعوا عشان يبنوها بجد."

خاتمة الجزء

​دخل مروان إلى بيت والده، ووضع حقيبته على الأرض. من شرفته، رأى سفينة عملاقة ترفع علم "بنما" تمر ببطء شديد، حتى خُيل إليه أنه يستطيع لمسها بيده. في تلك اللحظة، أدرك مروان أن رحلته لم تنتهِ بوصوله، بل هي تبدأ الآن. فالسويس ليست مجرد محطة، السويس هي الروح التي عادت لجسده.

ترقبوا الجزء الثاني: رائحة اليود (مواجهة مروان مع والده والصدام الأول بين تكنولوجيا المستقبل وتقاليد الماضي

تعليقات