📁 آخر الأخبار

بأسم الحب.. جروح لا يقصدها أحد

حين يتحول الحب إلى نصل بارد: عن الغباء الذي يقتل باسم المودة

بقلم: باهر رجب

بأسم الحب
بأسم الحب


يقولون إن الحب أعمى، لكن الحقيقة المرة هي أن الحب ليس هو الأعمى دائما، بل المحب هو من قد يفقد البصر والبصيرة معا. نحن نعتاد في أدبياتنا و قصصنا على تصنيف "الخيانة" كأبشع الجرائم العاطفية، نعتبرها السكين التي تطعن في الظهر، و الزلزال الذي يهدد أركان الثقة. لكننا نادرا ما نتحدث عن عدو آخر، قد يكون أكثر فتكا وأشد ضراوة لأنه يرتدي ثوب "الحرص"، ويحمل ملامح "الإخلاص".. إنه الغباء العاطفي. إن الحب الحقيقي، بكيانه وجوهره، وجد ليكون مرفأ لا عاصفة، وليكون أمانا لا تهديدا. الحب لا يرهق الأرواح بل يحييها، ولا يكسر الأجنحة بل يساعدها على التحليق. فكيف يمكن لهذا الشعور النبيل أن يتحول إلى أداة تدمير شامل؟

اقرأ أيضا

فخ "الدب و الذبابة": النوايا ليست شفيعا دائما

تروي الأساطير حكاية ذلك الدب الذي أحب صاحبه بصدق منقطع النظير. وفي يوم صائف، وبينما كان الرجل غافيا، استقرت ذبابة مزعجة على وجهه. أراد الدب، بدافع الحب الخالص والرغبة في حماية راحة صديقه، أن يبعد هذا الإزعاج. لم يجد بجواره سوى حجر ضخم، حمله وبكل ما أوتي من "قوة المحب"، ألقاه على الذبابة ليقتلها.. فقتل معها صاحبه! هذا الدب لم يكن خائنا، ولم يضمر شرا، بل كان مستعدا للتضحية بنفسه من أجل صاحبه. لكن مشكلته كانت في "الوسيلة". لقد افتقر إلى الحكمة التي تخبره أن حجم الحجر لا يتناسب مع رقة الوجه، وأن الاندفاع بلا وعي هو أسرع طريق للمأساة. في علاقاتنا البشرية، نجد "الدببة" في كل مكان. هم أولئك الذين يحبوننا لدرجة الخنق، ويحموننا لدرجة الحبس، ويدافعون عنا لدرجة افتعال المشاكل التي لا تنتهي. هم الذين يلقون بكلمات كالحجارة، ظنا منهم أنهم "صريحون"، أو يمارسون غيرة مدمرة ظنا منهم أنها "دليل عشق".

اقرأ أيضا

لماذا الغباء أخطر من الخيانة؟

قد يبدو هذا التساؤل صادما، لكنه يحمل وجهة نظر منطقية. الخيانة فعل مقصود، نابع من إرادة واعية (حتى وإن كانت دنيئة)، ويمكن للمرء أن يتوقعها من شخص مهتز القيم، أو على الأقل يمكنه أن "يفهم" دوافعها بعد وقوعها فيضع حدا للعلاقة. أما الغباء في الحب، فهو عدو مستتر خلف الابتسامات والدموع. الصعوبة تكمن في أنك لا تستطيع أن تلوم شخصا "يحبك". تجد نفسك محاصرا في زاوية ضيقة: كيف تغضب ممن أراد مصلحتك؟ كيف تعاتب من لم يقصد إيذاءك؟ هنا يصبح الضرر مضاعفا؛ ضرر وقع عليك بالفعل، وضرر معنوي يتمثل في "تأنيب الضمير" لأنك تشعر بالذنب تجاه محب أخرق. الغباء لا يعتذر، لأنه ببساطة لا يدرك أنه أخطأ، هو يرى نفسه "المضحي" الذي لا يفهم، و"المخلص" الذي يجافى.

اقرأ أيضا

الحب كفاءة.. وليس مجرد عاطفة

علينا أن نعيد تعريف الحب في مجتمعاتنا. الحب ليس مجرد نبضات قلب متسارعة، بل هو "مسؤولية واعية". أن تحب يعني أن تدرس طبيعة من تحب، أن تفهم ما يؤذيه وما يسعده، أن تعرف متى تقترب ومتى تمنحه مساحة للتنفس. ليس كل من أحبك قد أحسن إليك. فالإحسان يتطلب "عقلاً" يدير العاطفة. هناك قلوب طيبة جدا، لكنها تشبه الملح؛ وجودها ضروري، لكن زيادة جرعتها في غير مكانها تفسد كل شيء. وهناك من يؤذيك لأنه لا يملك "أدوات الحب"، تماما كمن يحاول عزف سيمفونية رقيقة بمطرقة حديدية.

خاتمة: احذروا المحبين "بلا وعي"

في نهاية المطاف، الأمان الحقيقي لا يكمن في وجود شخص يحبك فقط، بل في وجود شخص "يعرف كيف يحبك". شخص يدرك أن الحجر لا يبعد ذبابة، وأن الضغط لا يولد إلا الانفجار، وأن الكلمة القاسية لا ترمم نقصا. الحب بلا حكمة هو انتحار بطيء. فراجعوا حساباتكم، ولا تسمحوا للنوايا الحسنة أن تكون عذرا لتدمير حياتكم. ففي محكمة الألم، لا يشفع للمجرم أنه كان "يحب ضحيته" وهو يجهز عليها.
تعليقات