ثلاثة أشقاء في خندق واحد: ملحمة العريف "رجب محمد علي" وعائلته الصعيدية التي طوعت المستحيل في نصر أكتوبر
بقلم: فاطمة باهر رجب
 |
| عريف مجند رجب محمد على |
في تاريخ الحروب، تكتب الانتصارات بالخطط العسكرية، لكن في تاريخ مصر، كتب نصر أكتوبر بدماء عائلات كاملة آمنت بأن الأرض هي العرض. ومن بين تلك الملاحم التي تستحق أن تروى بمداد من ذهب، قصة العريف مجند رجب محمد علي، أحد أبطال سلاح الدفاع الجوي (م ط) بالجيش الثاني الميداني، الذي لم يكن يحمى سماء الوطن وحده، بل كان يشاركه في الميدان شقيقاه، (السيد & يوسف )في مشهد يجسد أسمى معاني التضحية والفداء.
اقرأ أيضا
عقيدة "كمال الأهلية": الصعيد حين ينادي الواجب
نبدأ الحكاية من جذورها الأصيلة في صعيد مصر، حيث تربى رجب وإخوته على قيم صارمة؛ فالرجولة هناك لا تقاس بالعمر، بل بالقدرة على حماية الديار. سادت في عائلته قناعة راسخة بأن "خدمة الوطن واجب على الجميع"، وأنه لا يمكن اعتبار الرجل كامل الأهلية والثقة، ولا يعتد برأيه في المجالس، إلا بعد أن ينهي خدمته في القوات المسلحة، مصنع الرجال.
وعندما دقت طبول الحرب، وضعت الأقدار هذه العائلة أمام اختبار استثنائي. فرغم أن القانون العسكري قد يمنح إعفاء لأحد الأبناء إذا كان إخوته في الخدمة، إلا أن "رجب" وشقيقه الأكبر السيد وشقيقه الأصغر يوسف ضربوا بالقواعد عرض الحائط. اختار الثلاثة بإرادتهم الحرة البقاء في صفوف الجيش في زمن الحرب، مفضلين مواجهة الموت معا على أن يترك أحدهم جبهة القتال و يخلد للراحة.
اقرأ أيضا
العريف رجب في قلب المعركة: صائد الطائرات
في تمام الساعة الثانية ظهرا من يوم العاشر من رمضان 1393هـ، كان العريف مجند رجب محمد علي في موقعه بالجيش الثاني الميداني، ممسكا بسلاحه المضاد للطائرات. يصف رجب تلك اللحظات بأنها "لحظة الحقيقة"؛ حيث تحول الصيام من مشقة إلى طاقة روحية هائلة.
كان دور رجب محوريا وباسلا؛ فبينما كانت القوات تعبر القناة، كان هو ورفاقه في سلاح الـ "م ط" يمثلون المظلة الواقية التي تمنع طائرات العدو من النيل من جسور العبور. خاض معارك شرسة وجها لوجه مع طيران العدو، وكان يرى في كل طائرة يسقطها ثأرا لكل مصري. يقول رجب: "لم نكن نرى الطائرات كآلات، بل كخناجر تحاول طعن ظهور إخوتنا العابرين، فكان لزاما علينا كسر تلك الخناجر".
اقرأ أيضا
دروس من قلب الخندق: الثلاثة العائدون
الحياة العسكرية في وقت الحرب لم تكن مجرد قتال، بل كانت مدرسة غيرت شخصية رجب وإخوته. تعلم رجب أن "الخوف" هو مجرد وهم يتبدد مع أول صرخة "الله أكبر"، وأن الإيمان بالله هو المحرك الأساسي في الميدان. كان يفكر في إخوته؛ الأكبر في موقعه والأصغر في موقعه، وكان هذا التفكير يمنحه قوة مضاعفة؛ فإما أن يعودوا جميعا منتصرين بكرامة ترفع رأس عائلتهم في الصعيد، أو ينالوا الشهادة معا.
من أصعب المواقف التي واجهها كانت لحظات الصمت التي تسبق الغارات الجوية، حيث كان يراجع نفسه ويستحضر صورة والديه ودعواتهم. لكن الشعور بالأمان لم يأتِ إلا حين رأى العلم المصري يرفرف على الضفة الشرقية، وهي اللحظة التي لخصها بكلمة واحدة: "العِرض"، فقد استردت مصر كرامتها.
العودة المظفرة واللقاء المنتظر
تحقق الإعجاز، وانتهت المعارك بعودة الأشقاء الثلاثة إلى بيتهم في الصعيد. لم تكن عودتهم عادية. بل كانت زفة شعبية لبطل أكتوبر وإخوته الذين تحدوا قانون الإعفاء ليصنعوا قانون الوفاء. استقبلهم الأهل والأصدقاء بالفخر. فقد أثبتوا أن "كمال الأهلية" لم يكن مجرد شعار، بل كان دماء بذلت و عرقا صب في رمال سيناء.
تغيرت شخصية رجب بعد الحرب؛ أصبح أكثر صبرا، وأعمق إيمانا بأن الوطن هو أغلى ما يملكه الإنسان. واليوم، حين يتذكر تلك الأيام، يشعر بالفخر والرضا. مؤكدا أن تضحيات الشهداء هي التي جعلت جيل اليوم يعيش في أمن وسلام.
 |
| فاطمة باهر رجب |
رسالة إلى جيل المستقبل
يختتم البطل رجب محمد علي حديثه برسالة لكل شاب مصري: "أكتوبر ليس مجرد تاريخ في كتاب. بل هو روح تسري في عروقنا. اعلموا أن الوطن لا يبنى إلا بالتضحية. وأن الجندي المصري هو خير أجناد الأرض لأنه لا يهاب الموت في سبيل الحق".
إن قصة العريف رجب وإخوته هي توثيق حي لعقيدة جيش وشعب؛ حيث لا مكان للأعذار حين ينادي الوطن. وحيث تظل ذكرى العاشر من رمضان وساما على صدر كل من شارك في تلك الملحمة الخالدة.