📁 آخر الأخبار

فخ "خليني أنا الأحسن": هل نضحي بكرامتنا من أجل لقب زائف؟

عدالة الشعور: لماذا يجب أن نتوقف عن كذبة "خليني أنا الأحسن"؟

بقلم: باهر رجب

خليني أنا الأحسن
خليني أنا الأحسن



خليني أنا الأحسن - لطالما تربينا على جملة معلبة، تصدر لنا في كل خلاف أو خذلان: "معلش.. خليك أنت الأحسن". وكأن الحياة ماراثون أخلاقي يجب أن نصل فيه إلى خط النهاية ونحن نحمل أوزار الآخرين فوق أكتافنا، فقط لننال لقب "الأفضل" في عيون مجتمع لا يتذكر تضحياتنا أصلا. لكن، آن الأوان لنعترف بحقيقة مريحة و موجعة في آن واحد: مفيش حاجة اسمها "خليني أنا الأحسن" على حساب استنزاف كرامتنا أو سلامنا النفسي. التعامل مع البشر ليس "هبة" مجانية نوزعها بلا حساب، بل هو "استثمار" و"تبادل" يجب أن يخضع لقانون العدل، لا لقانون الطيبة المطلقة.

اقرأ أيضا

فخ المثالية الزائفة

لماذا نحاول دائما إثبات أننا "الأنضف" و"الأرقى"؟ في الحقيقة، هذا السعي المحموم هو استنزاف لطاقة كان من الأولى أن تصرف في تقدير من يقدرنا. عندما تعطي "أكبر من الحجم"، فأنت لا تمارس الفضيلة، بل تمارس نوعا من التزييف للواقع. أنت تعطي الشخص الآخر انطباعا بأنه يستحق ما لا يستحق، وتضع نفسك في مرتبة "المضحي" الذي سينفجر يوما ما لا محالة.

"إعطاء الناس أكثر من حجمهم ليس كرما، بل هو سوء تقدير منك لنفسك قبل أن يكون لهم."

ميزان التعامل: لا زيادة ولا نقصان

القاعدة بسيطة لكنها ذهبية: عامل كل واحد على قد ما يستاهل. الاحترام: لمن يقدمه، ولمن يعرف قيمته. الاهتمام: لمن يبادلك إياه، لا لمن يعتبره "تحصيل حاصل". التغافل: لمن يقدر عثراتك، لا لمن يستغل صمتك ليزيد في أذاه. المسألة ليست دعوة للغل أو الانتقام، بل هي دعوة لـ "الإنصاف الإنساني". أن تضع كل شخص في الخانة التي اختارها لنفسه بأفعاله، لا بالخانة التي رسمتها أنت له بأمانيك. من يستحق الاحترام، يرفع فوق الرأس، ومن لا يستحق.. يأخذ "على قده" ويمر كعابر سبيل لا يترك أثرا.

اقرأ أيضا

الطيبة ليست "شيكا على بياض"

هناك خلط شائع ومؤلم بين الطيبة والضعف. الطيبة هي أن تملك القوة للأذى وتختار ألا تفعل، لكن أن تستمر في العطاء لمن يدهسك، فهذا ليس طيبة، هذا "وجع" اختياري. كثرة التجاوز مع من لا يستحق تحولك مع الوقت من "شخص طيب" إلى "شخص مستباح". الحقيقة التي نتجنب مواجهتها هي أن "فائض الطيبة" مع الشخص الخطأ هو رسالة ضمنية له بأن يستمر في تجاوزه. الوجع الذي نشعر به بعد كل مرة نقول فيها "خليني أنا الأحسن" نابع من إدراكنا الداخلي بأننا خذلنا أنفسنا قبل أن يخذلنا الآخرون.

اقرأ أيضا

 

دستور العلاقة السوية

علاوة على ذلك نحن لسنا بحاجة لإثبات أي شيء لأي شخص. لسنا في مسابقة دولية للنزاهة. نحن بشر، نخطئ ونصيب، و نغضب ونرضى. والتعامل "بالمثل" أو "بالعدل" هو أرقى درجات النضج. 1- اخلع عباءة "المثالي": توقف عن محاولة الظهور بمظهر الملاك الذي لا يتأثر. 2- حدد المساحات: لا تدخل الجميع إلى "غرفة المعيشة" في حياتك؛ البعض مكانه الطبيعي هو "عتبة الباب". 3- الثمن النفسي: اسأل نفسك دائمًا: هل "كوني الأحسن" الآن سيكلفني قهرا داخليا؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالانسحاب أو المعاملة بالمثل هي الأصح.  

ختاما

الحياة أقصر من أن نقضيها في ترميم صور الآخرين على حساب تهشيم صورنا أمام مرايانا. الذي يستحقك سيعرف قيمتك دون أن تضطر لإثباتها بـ "طيبة مفرطة"، والذي لا يستحقك، لن يرى في "إحسانك" إلا ضعفا. لذا، وفر طاقتك، واضبط بوصلة مشاعرك، وتذكر: العدل في المشاعر لا يقل أهمية عن العدل في القضاء.
تعليقات