الجزء الخامس: عروس البحر
بعد ليلة "قهوة الغريب"، لم تعد أفكار مروان مرتبة كما كانت. كلمات العم منسي كانت تدق في رأسه مثل مطرقة، وصوت تلك المهندسة "نور" على الهاتف ترك في نفسه فضولاً لا يهدأ. قرر أن يقطع الطريق الطويل، من قلب الزحام في السويس إلى أطرافها الهادئة والمهيبة.. حيث منطقة الزعفرانة.
على جانبي الطريق، كانت الصحراء تعانق الجبل، والبحر الأحمر يمتد بلونه الفيروزي الساحر. وفجأة، بدأت تظهر "العرائس"؛ هكذا يطلق أهل السويس على مراوح توليد الرياح العملاقة. آلاف الأذرع البيضاء التي تدور بانتظام، وكأنها تؤدي رقصة صوفية مع الريح.
هناك، عند قاعدة إحدى التوربينات الضخمة، كانت تقف "نور". بملابس العمل الزيتية، وخوذتها البيضاء، وخصلات شعرها التي أفلتت من الحجاب لتتطاير مع الريح العاتية، كانت تبدو وكأنها جزء من طبيعة المكان.. صلبة وجميلة في آن واحد.
"توقعت إنك هتيجي يا مروان، بس مكنتش فاكرة إنك هتيجي بالسرعة دي،" قالتها نور وهي تمسح جبهتها، وعيناها تلمعان بتحدٍ ذكي.
مروان: "كلامك في التليفون كان فيه 'كهرباء' زيادة يا بشمهندسة. كان لازم أشوف بنفسي مين اللي بتنصحني أغير طريقة تفكيري."
ضحكت نور ضحكة قصيرة صافية، ثم أشارت إلى المراوح الدائرة: "شايف العرايس دي؟ دي مش مجرد مكن. دي اللي هتخلي السويس 'خضراء'. مشروعك 'السويس الديجيتال' ملوش قيمة لو ملقاش طاقة رخيصة ونظيفة تشغله. التكنولوجيا محتاجة قلب يغذيها، والقلب هنا هو الريح والشمس."
اصطحبته نور في جولة داخل الموقع. كانت تتحدث عن "الهيدروجين الأخضر" و"الطاقة المتجددة" بشغف جعل مروان يشعر لأول مرة أن مشروعه ليس مجرد أرقام، بل هو جزء من منظومة أكبر تهدف لإنقاذ المدينة من التلوث والفقر.
نور: "مروان.. السويس مش بس موانئ وتجارة. السويس هي المستقبل اللي العالم كله بيدور عليه. إنت عندك 'العقل' في المنصة بتاعتك، وأنا عندي 'القوة' هنا في الزعفرانة. لو دمجنا الاتنين، هنعمل ثورة مكنش يحلم بيها الريس صابر ولا العم منسي."
وقف مروان ونور على تلة مرتفعة تطل على خليج السويس. السفن في البعيد تبدو كقطع شطرنج صغيرة، والمراوح من خلفهم تصدر صفيراً إيقاعياً منتظماً. في تلك اللحظة، لم يعد مروان يرى في نور مجرد مهندسة بارعة، بل رأى فيها "عروس البحر" الحقيقية، التي لا تكتفي بالانتظار على الشاطئ، بل تصنع الموج بيدها.
مروان (بابتسامة): "يعني إنتِ شايفة إن 'الديجيتال' و'الريح' ممكن يتفقوا؟"
نور (وهي تنظر للأفق): "لو اتفقوا، السويس هتبقى أول مدينة ذكية في العالم بروح مصرية خالصة. بس السؤال.. هل مروان صابر مستعد يتخلى عن 'غرور الشهادات' ويسمع لصوت الريح؟"
عاد مروان إلى المدينة في ذلك المساء، لكنه لم يعد وحيداً. كان يحمل في عقله رؤية جديدة، وفي قلبه شرارة لم تكن موجودة من قبل. أدرك أن "نور" ليست مجرد مهندسة، بل هي البوصلة التي ستحول مسار حياته بالكامل.