📁 آخر الأخبار

 


بين القدر والاختيار 

بقلم : نشوى على 


منذ أن بدأ الإنسان يحددق في السماء متسائل عن سر وجوده، ظل سؤال واحد يتكرر بأشكال مختلفة:

هل نحن أحرار حقا في اختيار مصائرنا، أم أن كل ما يحدث لنا مكتوب سلفا وفق تدابير القدر؟

إنه سؤال لا ينتمي فقط إلى الفلسفة أو الدين، بل يسكن أعماق التجربة الإنسانية نفسها، لأن كل إنسان مر بلحظة شعر فيها أنه يقود حياته بيده، ولحظة أخرى شعر فيها أن الحياة تقوده رغما عنه.

إذا تأملنا حياتنا بعمق، سنكتشف أنها لا تسير وفق خط واحد مطلق، بل وفق توازن معقد بين ما نختاره وما يُفرض علينا. هناك أشياء ولدت معنا دون أي تدخل منا؛ لم نختر أوطاننا، ولا عائلاتنا، ولا ملامحنا، ولا الظروف التي بدأنا منها رحلتنا. بعض الناس يولدون في بيئات تمنحهم الفرص، وآخرون يبدأون حياتهم وسط المعاناة أو الحرمان. كذلك هناك أحداث كبرى تقع دون استئذان: مرض مفاجئ، خسارة، لقاء يغير المصير، أو فرصة تأتي في توقيت لم يكن متوقعا. هذه المساحة هي ما يمكن تسميته بـالإطار القدري للحياة، المسرح الذي وجدنا أنفسنا واقفين فوقه دون اختيار مسبق.

لكن داخل هذا المسرح تبدأ منطقة أخرى أكثر حساسية وعمقا منطقة الإرادة الحرة. 

فالإنسان، رغم كل القيود، يملك قدرة مذهلة على اتخاذ القرار. قد لا يختار الظروف، لكنه يختار طريقة التعامل معها. شخصان قد يمران بالأزمة نفسها، أحدهما ينهار والآخر يتحول ألمه إلى قوة تدفعه للنهوض. هنا تظهر الحرية الحقيقية؛ في الموقف، في رد الفعل، في القرار اليومي البسيط الذي قد يغير مسار العمر كله. الإنسان يختار ماذا يتعلم، وكيف يفكر، ومن يصادق، وما الطريق الذي يسلكه حين تتشعب الطرق أمامه.

ولهذا تبدو النظرة الأكثر توازنا هي أن الإنسان مسيّر ومخيّر في الوقت نفسه. فالقدر لا يلغي الحرية، كما أن الحرية لا تستطيع إلغاء القدر. يمكن تشبيه الحياة بلعبة أوراق؛ أنت لا تختار الأوراق التي توزع عليك، لكنك تختار كيف تلعب بها. قد يمتلك شخص أوراقا قوية ويخسر بسبب سوء قراراته، بينما ينجح آخر بأوراق محدودة لأنه عرف كيف يوظفها بحكمة وصبر.

وربما تكمن حكمة الحياة كلها في هذا التوازن الدقيق. فالإيمان بالقدر يمنح الإنسان السلام حين يواجه ما لا يستطيع تغييره، بينما تمنحه الإرادة الحرة القوة ليقاتل من أجل ما يستطيع تغييره. ولو كان الإنسان مسيرا بالكامل لفقدت المسؤولية معناها، ولو كان حرا بشكل مطلق لتجاهل حقيقة أن هناك أمورا أكبر من قدرته وسيطرته.

في النهاية، قد لا نملك الإجابة الكاملة لهذا السؤال الأزلي، لكن المؤكد أن الحياة لا تبنى بالاستسلام وحده، ولا بالسيطرة المطلقة. إنها رحلة بين ما كتب لنا، وما نكتبه نحن بأفعالنا وقراراتنا كل يوم.

تعليقات