"الموروث بين سطوة الماضي ونداء المستقبل"
بقلم:نور خالد أبو عمر
أكبر مأزق يواجه الإنسان اليوم هو أن يجد نفسه أسيرًا لما ورثه عن آبائه، وكأن الماضي قد نصب نفسه وصيًا على الحاضر والمستقبل.
إن تقديس الأشخاص والأقوال دون مراجعة أو نقد يحوّل الموروث من مُعينٍ للحكمة إلى قيدٍ على العقل، في حين أن بعض المرويات تخالف صريح القرآن الكريم، وبعضها يتعارض مع حقائق العلم، ومنها ما يناقض الفطرة السليمة، بل إن منها ما يشوّه صورة النبي الكريم الذي وصفه الله بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
وقد سجّل القرآن هذا النمط من التمسك الأعمى، فقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22].
وهو موقف يتكرر في كل عصر، حين يُقدَّم الموروث على الحق المبين.
إن دراسة التنزيل الحكيم اليوم تبدو وكأنها تسير وسط عاصفة من الضجيج؛ حيث يتصدر المشهد من لا يملكون أدوات التخصص في علوم اللغة واللسانيات، ولا يملكون ثقافة تاريخية راسخة، فتتسلل إلى خطابهم مغالطات وأخطاء جسيمة.
وما يزيد الأمر خطورة أن بعض هذه الطروحات لم تقتصر على الخطأ العفوي، بل خضعت لتأويلات مقصودة بدوافع سياسية، فتحولت من محاولة للفهم إلى أداة لتوجيه الرأي وتزييف الوعي.
وهكذا تتشوه صورة الدراسات القرآنية، ويضيع جوهرها بين ضجيج غير المتخصصين وتوظيفات لا علاقة لها بالبحث العلمي، في حين أن النص المقدس يستحق أن يُتناول بجدية وعمق يحفظ قدسيته ويصون قيمته المعرفية.
يقترب بعض الدارسين من النص وهم يحملون غاية مسبقة، فلا يتركون له أن يكشف عن الحقيقة، بل يحاولون إلزامه بما لم يقل.
أما الباحث المحايد، فإنه يقف موقفًا عسيرًا؛ إذ لا يريد إلا أن يشرح النص كما هو، لكنه يجد نفسه محاصرًا بين خطاب غير المتخصصين وضغط العامة.
ومع ذلك، يبقى وعد الله قائمًا وسننه ماضية، فقد قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21].
الموروث ليس حقيقة مطلقة، بل هو تراكم من الأفكار والعادات؛ بعضها يحمل الحكمة، وبعضها يقيّد العقل ويمنع انطلاقه.
وما يحزن أن يتحول هذا التعلق إلى جهل يعيد إنتاج الماضي ويغلق أبواب المستقبل بأيدينا.
إن الموروث امتحان وجودي: هل نختار منه ما يفتح أبواب النور، أم نتركه يغلقها على أرواحنا؟
الفلسفة تعلمنا أن قيمة الفكرة لا تُقاس بقدمها، بل بقدرتها على تحرير الإنسان.
والنقد ليس ترفًا فكريًا، بل هو الطريق إلى الوعي.
بهذا يصبح الموروث مجالًا للصراع بين الجمود والتحرر، بين من يرضى أن يكون أسيرًا لظلال الماضي، ومن يجرؤ على أن يفتح أبواب المستقبل بعقلٍ حر وروحٍ واعية.
