📁 آخر الأخبار

أمة البطاقات المزوَّرة حين يغيب الجوهر

 


أمة البطاقات المزوَّرة حين يغيب الجوهر

بقلم: نور خالد أبوعمر

في بلدي أشياءٌ كثيرةٌ سيئةٌ إلى حدٍّ كبير، وأشياءٌ معكوسة، ومفاهيمُ شائعةٌ خاطئة. 

قد نكونُ حسني النيّة، لكن معتقدَنا الفكريَّ مغلوط، ويمكنني تشبيههُ بحاملي البطاقاتِ الشخصية: يحملون قطعةً من الورق تُعدّ تأشيرةً لكلِّ المصالح، بينما الصورةُ تكادُ لا تُشبههم مطلقًا، ولا حتى بياناتها. 

فيُكتبُ للإناث أنهنَّ أمهاتٌ وهنَّ ليس بفضليات، ويُكتبُ للذكور أنهم رجالٌ وهم ليسوا برجال، وتُسجَّلُ مِهنٌ لا علاقة لها بمستوى الفكر العقلي. 


هكذا يصبحُ المجتمعُ مفبركًا، والهويةُ مجردَ قناعٍ هشٍّ لا يعكسُ الجوهر.


البدايةُ إذن من داخلنا، فهي أصلُ كلِّ شيء. 

لا يمكن أن نرتقي ونحن نعيشُ على صورٍ مزوَّرة، ولا يمكن أن نصبحَ أناسًا ذوي قيمةٍ إذا كانت قيمتُنا مستعارةً من أوراقٍ أو ألقابٍ أو مشاهدٍ عابرة. 


يجب أن ننتفضَ من أجل التغيير، لا لنُرضي الآخرين، بل لنُرضي ذواتنا، لنكونَ خَلقويين لا متخلّقين، محترمين لأن الاحترامَ ينبعُ من الداخل، لا لأنه يُقالُ عنا أو يُكتبُ في سجلاتنا. 


الاحترامُ ليس قناعًا يُرتدى أمام الناس، بل هو جوهرٌ يفيضُ من الداخل، فإذا غاب الأصلُ سقط المظهرُ مهما كان متقنًا.

غير أن "اللقطة" في بلدي، من الساسةِ إلى العامة، فقط هي ما يهمُّ الجميع. 


كلُّ ما يشغلهم هو المشهدُ اللحظي، الصورةُ التي تُسوَّق وكأنها الحقيقة، بينما الواقعُ أبعدُ ما يكون عنها. 


ويؤسفني أن أقول إن هذا أسلوبٌ رخيص، رقيع، منحدر، يختزلُ القيمَ في مشهدٍ عابر، ويستبدلُ الحقيقةَ بالزيف.


ويبقى القرارُ النهائيُّ بين التصعيدِ أو الاحتواءِ رهينَ الإدراكِ السياسيِّ والوعيِ الجماهيريِّ. 


فالإرادةُ السياسيةُ الواعيةُ قادرةٌ على أن تغيّرَ مسارَ الأحداث، وأن تمنعَ المجتمعَ من السقوطِ في دوامةِ الصراعاتِ العنيفة. 


لكن هذا لن يتحققَ إلا إذا بدأنا من الداخل، من إعادةِ بناء وعينا، من مراجعةِ مفاهيمنا المغلوطة، ومن تحريرِ أنفسنا من أسرِ اللقطةِ إلى فضاء الحقيقة.


إننا لسنا أمام أزمةِ أوراقٍ أو صور، بل أمام أزمةِ روحٍ تبحثُ عن حقيقتها. 


فالمجتمعُ الذي يختارُ أن يعيشَ في زيفِ اللقطات يظلُّ أسيرًا لسطحياته، بينما المجتمعُ الذي يواجهُ نفسهُ بصدق، يفتحُ أبوابًا جديدةً للنور. 


إن السؤالَ الحقيقيَّ ليس: كيف نُعرّفُ أنفسنا أمام الآخرين؟ بل: كيف نُعرّفُ أنفسنا أمام الله، أمام الروحِ التي أودعها فينا؟ فحين يغيبُ الجوهرُ ويُستبدلُ باللقطة، نصبحُ مجردَ ظلالٍ بلا أصل، لكن حين نستعيدُ الجوهر، نصبحُ نورًا حيًّا في حضرةِ الحق. 


وهنا، يظلُّ الخيارُ تصوفيًّا محضًا: إمّا أن نكونَ صورًا معلّقةً على جدارِ الوهم، أو أن نكونَ أرواحًا شاهدةً على الحقيقةِ الأبدية، حيث لا قيمةَ للبطاقاتِ ولا للّقطات، بل للقلبِ الذي يصدُقُ في حضرةِ الخالق.

تعليقات