📁 آخر الأخبار

لحظة الانطفاء وكسر وهم التبرير"

لحظة الانطفاء وكسر وهم التبرير"
بقلم:نور خالد أبو عمر 

هناك مرحلةٌ لا يصلها الإنسان بسهولة؛ مرحلةٌ ينطفئ فيها شغفُ التبرير، ويبهت فيها الحماسُ لخوض معاركٍ صغيرة لا تُثمر. 

في تلك اللحظة يصبح السلامُ الداخلي أثمنَ من كل علاقةٍ تُشبه الضجيج وتغادر كخراب. 

إنها لحظةُ إدراكٍ أن هدوئي أغلى من المجاملات، وأن راحتي النفسيّة أثمن من أي شخصٍ يطلب مني أن أُؤذي نفسي ليبقى مرتاحًا.

في هذه المرحلة، لا أركض خلف أحد، ولا أُحصي من بقي أو رحل. 

من أحبّني بصدقٍ سيظل، ومن غادر بحثًا عن مصلحته فقد اتخذ قراره، ومن انتقد غيابي كان يومًا سببًا في تعبي. 

أدركتُ أخيرًا أن من يستهلك نفسه لإرضاء الجميع ينتهي وحيدًا، منهكًا، وممتلئًا بالفراغ.

التبريرُ في جوهره ليس مجرد آليةٍ نفسية، بل إعلانٌ صريح عن ضعف الإرادة أمام الحقيقة. 

إنه سيفٌ ذو حدّين: يخفّف لحظةَ الألم لكنه يزرع بذورَ العجز عن مواجهة الذات. 

فحين يبرّر الإنسان فشله بظلم الآخرين أو قسوة الظروف، فإنه يختار أن يعيش في وهمٍ مريح بدل أن يواجه قصوره بشجاعة. 

الفرق بين التبرير والكذب أن الأول خداعٌ للذات قبل أن يكون خداعًا للآخرين، بينما الثاني تزويرٌ واعٍ للحقيقة.

لكن الإفراط في التبرير يخلق إنسانًا مسلوبَ البصيرة، يكرّر أخطاءه دون مراجعة، ويستنزف طاقته في صناعة أعذارٍ لا تنقذه من واقعه. 

إنه مرضٌ عضال يجمّد حركة النمو ويحوّل الفرد إلى أسيرٍ داخل دائرةٍ مغلقة من الأعذار والخيبات. 

في العلاقات، قد يكون التبرير جسراً للتفاهم إذا وُجّه لمن نحب، لكنه يتحوّل إلى عبثٍ حين يُبذل للغرباء أو لمن لا يريد أن يفهم.

الخلاصة أن التبرير ليس خيرا مطلقًا ولا شرًّا خالصًا، بل أداة دفاعية فطرية. 

الحكمة تكمن في إدراك اللحظة التي يجب أن نتوقف فيها عن الاحتماء بالأعذار، ونواجه أنفسنا بصرامة، فنكسر وهم التبرير ونفتح باب الإصلاح الداخلي. 

فبعض البشر مهما أحببناهم، وجودهم يشبه غرفةً تحترق ببطء: لا نموت فورًا، لكننا نختنق يومًا بعد يوم. 

والنجاة الحقيقية تبدأ حين نختار أنفسنا بلا ذنب، ونكسر دائرة التبرير لنحيا بصفاءٍ ووعي.

تعليقات