📁 آخر الأخبار

أصداء الصَّمت وتراتيل الحَنين الرَّاحل


 أصداء الصَّمت وتراتيل الحَنين الرَّاحل

بقلم: نور خالد أبو عمر
مساءٌ يَتَهامَسُ بالسَّعادةِ، يَنسابُ نُورُهُ بين الحُروفِ، يُخبِّئُ أثرَ اللَّحظةِ بين طيَّاتِهِ، فلا يَخْبو.
وَتَرٌ وحيدٌ يُداعِبُ المَسافةَ بصَمتٍ يَفيضُ بالحَنينِ، يُعانِقُ اللَّحنَ الذي لا يُطْفَأ، كأنَّهُ نَفَسُ الذِّكرى المُؤجَّلةِ.
لَحظةٌ تَتَجاوزُ الزَّمَنَ، تَتَمدَّدُ في عُمْقِ الصَّمْتِ، تَحْلِقُ بلا قُيُودٍ، كأنَّها وَمْضُ الحُلْمِ في فَضاءِ الرُّوحِ.
وَتَرٌ وحيد يُعانِقُ نَغْمةً سِرِّيَّةً مُتَواريةً خَلْفَ الأبوابِ العَتيقةِ، كأنَّهُ نَفَسُ الذِّكرى المُؤجَّلةِ، لا يَغيبُ في صَخَبِ الأيَّامِ، بل يَبقى شاهِداً على قِصَصٍ لَم تَنْتَهِ، على كَلِماتٍ خُطَّتْ على الحَجَرِ ولَم تُمْحَ.
 
لَحظةٌ تَتَجاوزُ الزَّمَنَ، تَنْسَكِبُ في عُمْقِ المَدينةِ كَضَوْءٍ يَتَسَلَّلُ بين شُقُوقِ الصَّمْتِ، تَحْلِقُ بلا قُيُودٍ، كأنَّها وَمْضُ الحُلْمِ العالِقِ في ذاكِرةِ المَكانِ، يُقاوِمُ التَّلاشيَ، يَسْكُنُ الخُلُودَ، يَنتَظِرُ أن يُكْتَبَ من جَديدٍ، لا كَذِكْرى، بل كَحَقِيقةٍ لا تُطْمَسُ.

ومِن هذا الأُفُقِ، يَتَراءَى الصَّمْتُ كأبْوابٍ عَتيقةٍ مُشْرَعةٍ لِدَمْعِ الذِّكْرياتِ، ويَكْشِفُ عن نَبْضِ الكَيْنُونةِ المُسْتَتِرةِ خَلْفَ حُجُبِ الفِراقِ؛ حَيْثُ العَدَمُ ليس وَحْشَةً، بل هو نَفَسُ الذِّكرى المُؤجَّلةِ، كَقَطَراتِ مَطَرٍ مُقَدَّسةٍ، يَمْسَحُ على زُجاجِ العُمْرِ بِلَمَساتٍ، وكَلِماتٍ خُطَّتْ ولَم تُمْحَ، ومَضاتٍ هناك، عِندَ آفاقِ الفِكْرِ، تَنْبُتُ أزْهارُ الدَّهْشةِ الأُولى برائِحةِ الحَنينِ الدَّافِئِ، تُوقِظُ المَشاعِرَ الغافِيةَ بين شُقُوقِ الصَّمْتِ، لِتُعِيدَ مَلامِحَها الغائِبةَ المُسْتَعْصِيةَ على المَحْوِ.
كُلَّما تَعَمَّقَ اللَّيْلُ في سُكُونِهِ، انْفَتَحَتْ نَوافِذُ النَّفْسِ بِلَهْفةٍ على ضَوْءٍ يَتَسَلَّلُ من شُقُوقِ شَمْسٍ راحِلةٍ، تَسْتَمِدُّ من غُرُوبِها الحَزينِ حُضُوراً رَمْزِيّاً، ومِن بَقايا دِفْئِها المُنْسابِ أمَلاً يَتَجَدَّدُ مع كُلِّ خَفْقةِ قَلْبٍ.
 
إنَّها رِحْلةٌ تَتَجاوزُ الزَّمَنَ، تَفيضُ بالشَّجَنِ في تَضارِيسِ الذَّاتِ؛ بَحْثٌ حَثِيثٌ عن نَغْمةٍ سِرِّيَّةٍ أُولى لَم تُقْرَأ بَعْدُ في صُحُفِ الوُجُودِ، نَغْمةٍ تَحْمِلُ سِرَّ الانْتِماءِ الشَّفِيفِ إلى المُطْلَقِ واللَّانِهائِيِّ.
لِغَيْماتٍ مُثْقَلةٍ بالبَوْحِ والأسْرارِ، تَبْحَثُ بِوَعْيٍ وحَنانٍ عن أرْضٍ خَصْبةٍ في عُمْقِ المَدينةِ لِتَسْكُبَ عَبِيرَها المَعْرِفِيَّ ورَوْعةَ إحْساسِها.
 
فالصَّمْتُ ليس خَواءً، بل امْتِلاءٌ بالحُبِّ والدُّمُوعِ، يَفيضُ بما تَعْجَزُ عنهُ قَوالِبُ اللُّغةِ الجامِدةِ.
وفي مَرافِئِ الشَّوْقِ تَرْسُو سُفُنُ الحَنينِ المُتْعَبةُ، مُحَمَّلةً بأطْيافِ الذينَ عَبَرُوا وتَرَكُوا فِينا بَعْضَهُمْ، وبِضَحَكاتٍ بَقِيَتْ مُعَلَّقةً في سَماءِ القَلْبِ كَقَنادِيلَ لا تَنْطَفِئُ.
 
اللَّحَظاتُ الكُبْرى لا تُقاسُ بِعَقارِبِ السَّاعةِ الجافَّةِ، بل بِكَثافةِ الدَّهْشةِ ورِقَّةِ اللَّمْسةِ التي تَسْتَوْطِنُ الرُّوحَ، لِتَصْنَعَ من عَتْمةِ الأيَّامِ فَضاءاتٍ مُشْرِقةً.

العُمْرُ ليس بالسِّنِينَ، بل هي هذهِ الالتِفاتاتُ الخاطِفةُ العَمِيقةُ التي تَخْتَصِرُ في وَمْضَتِها كُلَّ أسْئِلةِ الوُجُودِ.
ومَعَ كُلِّ فَجْرٍ جَدِيدٍ، يَتَنَفَّسُ الحُلْمُ كَصَيْرُورةٍ أبَدِيَّةٍ، يَنْفُضُ غُبارَ الانْتِظارِ، ويَنْطَلِقُ كَعُصْفُورٍ يَمْلأُ المَدَى حُرِّيَّةً. إنَّها السِّمْفُونِيَّةُ الأزَلِيَّةُ التي تَعْزِفُها أوتارُ القُلُوبِ لِتَهْمَسَ بأنَّ النُّورَ يَنْبُعُ من أعْماقِ الرُّوحِ.

هذا العُبُورُ ليس امْتِداداً في الزَّمانِ، بل ارْتِدادٌ نَحْوَ المُطْلَقِ الكامِنِ فِينا، وضِياءٌ يَنْسابُ من شُرُوخِ المَسافاتِ. نَحْنُ لا نَغْزِلُ الحَنينَ لِنَنُوحَ على الماضِي، بل لِنَشِيدَ مَأْوًى لِلرُّوحِ ونُعِيدَ خَلْقَ المَدَى كُلَّما ضاقَ الواقِعُ. النُّورُ الذي يَتَهادَى بين السُّطُورِ هو فَيْضُ الكَيْنُونةِ، والوَتَرُ الوَحِيدُ الذي يُداعِبُ عُزْلةَ الصَّمْتِ هو شَهْقَتُها في تَوْقِها الأبَدِيِّ نَحْوَ المَدَى.

وعِنْدَ الغَسَقِ الأخِيرِ، تَذُوبُ كُلُّ المَسافاتِ، ويَخْفُتُ الضَّجِيجُ، لِتُشْرِقَ حَقِيقةُ الرُّوحِ مُتَحَرِّرةً ونَقِيَّةً في وَمْضةٍ وِجْدانِيَّةٍ أزَلِيَّةٍ: «الإنسانُ شَرارةُ نُورٍ في صَمْتِ الغَسَقِ، يُولَدُ حِينَ يَنْعَتِقُ من الزَّمَنِ».
تعليقات