في رحابِ الذات: سمفونيّةُ التحرّرِ والخِفّةبقلم:نور خالد أبو عمر
أنْ تعيشَ بينَ مَن يُرهقونك دونَ أن تفقدَ سلامَك، هو فنٌّ من أسمى فنونِ القوّةِ الداخليّة، وجوهرُ الكينونةِ الصامدة. فكلُّ توتّرٍ يُحيطُ بك في هذا الفضاءِ العابر، ليس سوى دعوةٍ صامتةٍ للشفاءِ لا لخوضِ الحرب؛ إنّها همسةٌ خفيّةٌ من روحِك، تُناديك أن تتّسعَ وتسمو، لا أن تنكسرَ أمامَ عواصفِ البشر.
وفي تلكَ التضاريسِ المعتمة، يبرزُ التسامحُ لا كتجاهلٍ للألمِ أو إنكارٍ للمرارة، بل كاعترافٍ شجاعٍ بها دونَ السماحِ لها أن تُعيدَ تعريفَ هويّتِك أو تمسَّ نقاءَ طينتِك.
حينَ تبدأُ بمراقبةِ مشاعرِك من شرفةِ الوعي، وتتنفّسُ بعمقٍ يلامسُ السكون، وتمنحُ نفسَك ملاذًا في لحظاتِ الصمت، ستكتشفُ في غمرةِ التأمّل أنَّ أثقالَك ليست أبديّة، وأنّك كائنٌ قُدَّ من نور، قادرٌ على أن يعيشَ بخفّةٍ بالغةٍ حتّى وهو يقفُ في عينِ العاصفة. فالوعيُ لا يطالبُك أبدًا بأن تكونَ مثاليًّا بلا خدوش، بل يدعوك أن تكونَ صادقًا مع ذاتِك؛ أن ترى الجرحَ في عُريِهِ، تحتضنَهُ بحنوٍّ، ثم تمضي قُدُمًا نحوَ الأفق.
لقد خُلقتَ لتسمو وتُحلّقَ في فضاءاتِ المعنى، لا لتبقى سجينًا في أغلالِ الغضبِ المظلمة. ذلكَ الشعورُ الداخليُّ بالتحرّرِ المطلق لا يمكنُ للكلماتِ القاصرةِ أن تُحيطَ به؛ إنّه تجلٍّ غامضٌ تتبدّى فيه كأنّك ريشةٌ ناعمةٌ تتراقصُ بوعيٍ في مهبِّ النسيم، أو فراشةٌ رقيقةٌ تنسابُ بخفّةٍ وسحرٍ بينَ أزهارِ الربيع، لا يُقيّدُ حركتَها شيءٌ سوى جمالِ اللحظةِ وعذوبةِ الحضور.
إنّها لحظةٌ تتجاوزُ الزَّمنَ بعقاربِهِ اللاهثة، تَتمدَّدُ في عُمقِ الصَّمتِ السرمدي، تَحلِّقُ بلا قيودٍ أو مسافات، كأنّها وَمضُ الحُلمِ القديم يتلألأ في فضاءِ الرُّوحِ الخالد.
ومن مرافئِ هذا السكون، تبدأُ الحكايةُ الحقيقيّةُ للوعي، حيثُ يقفُ الإنسانُ كراوٍ حكيمٍ يُراقبُ عبورَ الغيمِ في سماءِ ذاتِه دونَ أن يطلبَ منه البقاء. لم تكنِ الصراعاتُ التي تُحيطُ بنا سوى رياحٍ عابرةٍ تهزُّ الأغصانَ لتُسقطَ الأوراقَ الذابلة، وتُفسحَ مكانًا لولادةِ دهشةٍ جديدة. في تلكَ الرحلةِ السريّة، نتعلّمُ كيفَ نتحوّلُ من مسافرينَ تائهينَ في محطّاتِ القلق، إلى صُنّاعٍ للمجرى وبُناةٍ للمدى؛ فالإنسانُ ليس مجرّدَ ردِّ فعلٍ لضجيجِ الآخرين، بل هو النغمةُ الدافئةُ التي تُعيدُ صياغةَ لحنِ الوجودِ كلّما تشتّتتْ أصواتُ الواقع.
وعندَ الغسقِ الأخير، ينكشفُ الستارُ عن الحقيقةِ الكبرى: إنَّ المرءَ حينَ يتخفّفُ من رغبةِ السيطرةِ على العابرين، يولدُ من جديدٍ في فضاءِ المطلق. نحنُ لا نغزلُ الصمتَ لنختبئَ من الحياة، بل لنُشيّدَ للأرواحِ مأوًى يحميها من صقيعِ العلاقاتِ الباهتة. عندها فقط، تسيرُ في دروبِ العمرِ ككائنٍ ما ورائيّ، يتركُ وراءَهُ أثرًا خفيفًا ونورًا خالصًا، ويهمسُ لكلِّ قلبٍ متعبٍ في ليلِ الزمان: «لم نكنْ مجرّدَ عابرينَ يتقاذفُنا صخبُ الوجود، بل كنّا شهودًا على الجمال، حوّلنا جراحَنا إلى شروق، وعانقنا الحرّيّةَ الكامنةَ في أعماقِنا».
