📁 آخر الأخبار

العنوان: الذاكرة نهرُ الرّوحِ الذي لا يَنضُبُ

 


العنوان: الذاكرة نهرُ الرّوحِ الذي لا يَنضُبُ


بقلم: نور خالد أبو عمر

في أعماقِ الرّوحِ، هناك نهرٌ يتدفّقُ بلا توقّفٍ، نهرٌ لا يُرى بالعينِ لكنّه يُسمَعُ في نبضِ القلبِ… تلك هي الذاكرةُ، الرّوحُ الثانيةُ التي تسكنُنا وتُعيدُ تشكيلَنا في كلِّ لحظةٍ.
إنّها الحارسُ الذي يُضيءُ لنا الطريقَ حينَ يشتدُّ الظلامُ، والظلُّ الذي يُرافقُنا حتى حينَ نظنُّ أنّنا وحدَنا.
في كلِّ ومضةٍ منها حياةٌ صغيرةٌ، وفي كلِّ سكونٍ منها حكايةٌ لم تكتملْ بعدُ.
الذاكرةُ ليستْ حياديّةً؛ فهي تختارُ أن تُبرزَ بعضَ المشاهدِ وتتركَ أخرى في الظلِّ.
لحظةُ حبٍّ صغيرةٌ قد تبقى كزهرةٍ لا تذبلُ، بينما جرحٌ قديمٌ يتحوّلُ إلى شجرةٍ كثيفةِ الجذورِ، تمتدُّ أغصانُها في كلِّ اتّجاهٍ.
وهكذا يصبحُ الإنسانُ أسيرَ حدائقَ مزدوجةٍ: فيها ألوانٌ من الأملِ، وظلالٌ من الوجعِ، وصدى أصواتٍ لا ينطفئُ. إنّها تُعيدُنا إلى أنفسِنا، تُذكّرُنا بما كنّا عليه، وتُعلّمُنا كيف نُحبُّ رغمَ الخيباتِ، وكيف ننهضُ من رمادِ الألمِ كأنّنا نولدُ من جديدٍ.
لكن، أليستِ الذاكرةُ أيضًا رُوحًا مُبدعةً؟! إنّها التي تمنحُنا القدرةَ على أن نُعيدَ صياغةَ الماضي، أن نُحوّله إلى قصيدةٍ أو درسٍ أو حكمةٍ.
فهي ليستْ عبئًا فقط، بل مادّةً خامًا للوعي، حيثُ الألمُ يتحوّلُ إلى معنى، والفرحُ يصبحُ بذرةً لحكمةٍ جديدةٍ.
إنّنا لا نحيا باللحظةِ وحدَها، بل بما تتركُهُ اللحظةُ فينا من أثرٍ يتجذّرُ ويكبرُ، كأنّ كلَّ ذكرى تُضيفُ إلى أرواحِنا طبقةً من النورِ أو الظلِّ، تُشكّلُ ملامحَنا في صمتٍ عميقٍ.
الذاكرةُ كذلك جسرٌ بينَ الأمسِ والغدِ، بينَ ما كنّا وما نطمحُ أن نكونَ.
حينَ نستدعيها، نكتشفُ أنّنا لسنا مجرّدَ كائناتٍ عابرةٍ، بل نحنُ تراكمٌ من التجاربِ، فسيفساءُ من الصورِ والرّموزِ، قصصٌ صغيرةٌ صنعتْ هويّتَنا.
إنّها الرّوحُ التي تحفظُنا من التلاشي، وتُذكّرُنا أنّ كلَّ ما عشناهُ، مهما كانَ قاسيًا، قد ساهمَ في صياغةِ إنسانيّتِنا.

يا لرقّةِ اللحظةِ حينَ نُدركُ أنّ الذاكرةَ ليستْ عبئًا يُثقلُنا، بل نهرٌ من المعاني يُعلّمُنا أن نرى أنفسَنا بوضوحٍ، وأن نُصغي إلى نداءِ الرّوحِ في صمتِها العميقِ.
إنّها حدائقُ الضوءِ والظلِّ، حيثُ كلُّ وجعٍ هو درسٌ، وكلُّ ذكرى نافذةٌ على إنسانيّتِنا… إنّها الرّوحُ التي لا تنطفئُ، مهما حاولَ الزّمنُ أن يمحوَ آثارَها.
بقلم الاديبه نور خالد أبو عمر
تعليقات