عصفور المشاعربقلم: نرمين السيد
أنا من الأشخاص الذين لا يعرفون أنصاف الأشياء، خاصة في المشاعر. لا أفهم الحب حين يكون مجرد مواقف عابرة، ولا أستوعب الاهتمام حين يُمنح بقدرٍ محسوب. فحين أحب، أحب بكل ما في القلب من دفء، وبكل ما في الروح من صدق، وكأن المشاعر خُلقت لتُعاش كاملة لا مجزأة.
أؤمن أن الحب الحقيقي لا يعرف الوسط، فلا هو نار مشتعلة تحرق، ولا هو شعور بارد يمر دون أثر، بل هو حضور عميق يجعل الإنسان يشعر أنه مرئي ومفهوم ومحبوب كما هو. ولهذا كنت دائمًا أبحث عن ذلك العمق الإنساني في العلاقات، عن شخص يتحدث من قلبه، ويحب من قلبه، ويمنح حنانه دون أن يخشى أن ينقص منه شيء.
لكن ما يؤلمني أحيانًا أنني أجد نفسي في عالم أصبحت فيه المشاعر أكثر سطحية مما ينبغي. كلمات كثيرة، لكن إحساس قليل. وعود كثيرة، لكن صدقًا أقل. علاقات تمضي بسرعة، ومشاعر تُستبدل بسهولة، وكأن القلوب لم تعد تعرف التعلق الحقيقي كما كانت تعرفه من قبل.
وفي كل مرة أواجه هذا النوع من العلاقات، أشعر وكأن شيئًا في داخلي يختنق. أشعر أن لدي بحرًا من المشاعر لا يجد شاطئًا يرسو عليه، وأن في قلبي كلامًا كثيرًا لا يجد من يفهم لغته. يصبح الأمر وكأنني عصفور صغير وُلد ليحلق في السماء، ثم وجد نفسه داخل قفص ضيق.
أقف خلف قضبان ذلك القفص وأرى الأغصان الخضراء في الخارج، أرى الأشجار التي خُلقت لأحط عليها، والسماء التي خُلقت لأطير فيها، لكنني لا أستطيع الوصول إليها. أرى الحب الذي أحلم به، والحنان الذي أبحث عنه، والصدق الذي أفتقده، فأشعر أن روحي تمتد نحو تلك المعاني الجميلة كما يمتد العصفور بجناحيه نحو الحرية.
وربما لا تكمن المشكلة في أنني أبالغ في مشاعري، بل في أن قلبي ما زال يؤمن بأن الحب يجب أن يكون عميقًا، وأن الحنان ليس رفاهية، وأن الإنسان لا يعيش بالكلمات وحدها بل بالإحساس الذي يسكن خلفها. فما زلت أؤمن أن أجمل العلاقات هي تلك التي لا يخجل فيها الطرفان من إظهار مشاعرهما، ولا يخافان من الصدق، ولا يكتفيان بالوجود السطحي في حياة بعضهما البعض.
ورغم كل شيء، لا أريد أن أفقد هذه الطبيعة في داخلي. لا أريد أن أتعلم البرود فقط لأن العالم أصبح أكثر برودًا، ولا أن أقلل من مشاعري لأن البعض لا يفهمها. أريد أن أبقى كما أنا؛ إنسانة تحب الحب، وتعشق الحنان، وتؤمن أن المشاعر الصادقة ليست ضعفًا، بل أجمل ما يمكن أن يحمله القلب.
ذلك العصفور يؤمن أن الحب الحقيقي لا يُقاس بكثرته، بل بعمقه.
