📁 آخر الأخبار

ابن الحطاب /قصة قصيرة

 


ابن الحطاب قصة قصيرة 

بقلم: ابوبكر عباس 

كان يفكر ويحاول أن يتذكر ما حدث قبل أن يأتيه ذلك الرجلان اللذان سألاه عدة أسئلة، أجاب عنها، ثم تغير الحال إلى الأفضل نسبيا ، واستعاد شيئًا يسيرًا من ذاته.

نعم، أتذكر ذلك اليوم عندما تشاجر أبي مع ذلك الوغد الذي ظل طوال عام كامل، من المضايقات، يفتعل المشاكل معه، ويضع العربة ذات الخيول الأربعة أمام منزلنا، حتى إن هذه الخيول كانت تخلف فضلات ذات رائحة كريهة، وكان ينظر إلى هذا المشهد المؤذي ويطلق ضحكات هستيرية.

كان أبي يكرهه، وينظر إليه بغضب، ويلعن العجز وقلة الحيلة. كنت أنظر إلى أبي عندما ترحل هذه العربة، فيقوم بتنظيف المكان، ويضع كرسيًا خشبيًا، ويجلس ليستعيد سلامه النفسي، وكأن جبلًا انزاح من على قلبه.

كنت أفكر كيف نتخلص من هذا الوغد ومضايقاته لنا، ولم أكن أعلم ما سببها، ولماذا نحن دون غيرنا من سكان المنطقة؟ هل لأننا ضعفاء، أم لأننا جبناء؟ والذي عرفته فيما بعد أن أمي التي توفيت قبل عدة أعوام فضلت أبي عليه عندما تقدم الاثنان لخطبتها.

رغم أن هذا المجرم ثري، ويملك القصر والحقول والمزارع، إلا أن أمي احبت أبي لأنه شخص طيب ومتسامح، وهذا الوغد كان فظ وقاسٍ. و علي النقيض كانت أمي جميلة ورقيقة، تحب الهدوء والسلام.

 أتذكر كيف كان ينظر إليَّ بحقد شديد لا يخلو من الشماتة، عندما كنت أساعد أبي في رص الحطب وهو يعرضه للبيع، حتى نبيعه ونعيش من ثمنه. كان يمر بي وأنا أعمل ويقول:

اتعب وتعرق أكثر يا ابن الحطاب، حتى تبيع كومة الحطب بفلس، أشتري لكلابي طعامًا بعشر أضعافه. كنت انظر اليه وهو يحدثني واجد فيه شئ من ملامح امي التي كنت اشتاق اليها

كان أبي يأتي مسرعًا، يقف بجواري خوفًا من أن يؤذيني، فأنا بالنسبة له ابن غريمه، وثمرة حب حبيبته، التي كان يحبها من طرف واحد.، ورغم أن أمي كانت قريبته، إلا أنها كانت تكره ابن عمها الماجن المنحل، الذي لا يعرف إلا صرف المال في كل ما هو حرام، لا يعمل أو ينتج أو يحترم نفسه.

كانت آخر مشاجرة بينه وبين والدي بسبب تلك العربة ذات الخيول، التي كانت بالنسبة لأبي كابوسًا، حتى إنه فكر في حرقها، إلا أنه تراجع عندما فكر في الأمر، وعلم أنه يستطيع شراء ألف غيرها، وسوف يكون رده قاسيًا، ربما يحرق منزلنا الصغير الذي لا نملك غيره، أو حتى يقتلنا.

جاء بالعربة ووضعها أمام باب المنزل، في تحرش صريح بأبي، وما كان من ابي إلا أنه أتى بالسوط، وانهال ضربًا على هذه الأحصنة، حتى تحركت الخيول بالعربة في اتجاه قصر الوغد، الذي خرج مسرعًا عندما سمع صهيل الخيل، ممسكًا في إحدى يديه كرباجًا، وفي الأخرى مسدسًا.

نظرت إلى أبي مذعورًا، وهو يحاول أن يتمالك نفسه من الغضب، الذي تبدل إلى خوف عندما انفجر ذلك الوغد يكيل السباب والإهانة لأبي، ثم نظر إليَّ ووجه المسدس ناحيتي. ولم افهم ماذا كان يقول 

وفي اللحظة التي سمعت فيها انفجار الطلقة، فقدت السيطرة على نفسي والإحساس بالزمان والمكان، ثم تحولت الرؤية إلى حلم: أبي يحتضنني ويبكي، والمجرم يحاول الهرب، وبعض النساء في الطريق يصرخن ويبكين.

وشعرت وقتها بارتياح، وكأنني منفصل عن هذه المأساة، وكأنني أطير في السماء، ورأيتني، أو أحدًا يشبهني، يرتدي ملابس بيضاء جميلة، وله أجنحة، وتعجبت كيف يكون للإنسان أجنحة.

ثم حدث تشويش مفاجئ، تلته أصوات بشرية وضوضاء، ثم جلبة في مكان مجاور، وفتح مقبرة في الجوار، وكان الميت ذلك الوغد،ا فقد قُتل في هذا اليوم على يد أحد المجرمين عندما كان يلعب معه القمار، وخسر كل ما يملك، حتى ملابسه. ونشبت المشاجرة، فكان خصمه سريع البديهة، فأمسك مسدسه قبل أن يستله ويطلق منه النار، ثم بادره وأطلق عليه عدة طلقات في أماكن متفرقة من جسده، ولاذ بالفرار.

وقتها كنت قد أمضيت ثلاث سنوات، بحسابات البشر، في المقبرة.

ولكن بالنسبة لي كانت ساعة، وسألت نفسي: ما هو الزمان؟ وكيف بدأ؟ ومتى ينتهي؟ ولماذا الأموات لا يشعرون به؟ أم أنه من لوازم الحياة فقط، وأن الخلود هو حين نخرج من دائرة الزمان، حتى ولو كان الثمن فقد الإحساس بالأشياء، أو بمعنى أدق، فقدان الإحساس بأنفسنا؟

وكنت اقنع نفسي أنني صبي انتهت معارفه ومعلوماته عن الحياة في سن الثالثة عشرة ولكن لا يهم ذلك مادمت أشعر بالسلام وارقد بجوار امي الحنونة التي كنت افتقدها كثيرا وانا علي قيد الحياة

تعليقات