سيد معتمد قصة قصيرة -
-بقلم ابوبكر عباس
المحاميمنذ عشر سنوات،
كنت في إحدى قرى أسيوط عند صديق لي، وبعد نقاشٍ وجدالٍ ورغبةٍ مُلحّةٍ منه، اضطررت للمبيت، وكان فصل الشتاء في ذروته؛ بردٌ شديد، وصمتٌ مُطبق كعادة أجواء الريف في الصعيد.
نمت أول الليل، الذي بدأ مبكرًا بعد صلاة العشاء، واستغرقت في نومٍ عميق، حتى إنني استيقظت لأجد الساعة قاربت الواحدة بعد منتصف الليل. قمت ودخلت الحمام في المندرة الكبيرة ذات الطراز القديم ، وما إن خرجت من الحمام حتى وجدت شخصًا مسنًّا يجلس في أحد أركان المكان. بادرته بالسلام، حتى ابتسم لي ورد التحية.
كنت قد استفقت من هذه الغفوة العميقة في حيويةٍ ونشاط، اقتربت منه، سلمت عليه، وجلست بجواره، وأخذنا نتجاذب أطراف الحديث، وعلمت أنه جد صديقي، عم والده، وكان طول الوقت ينظر إلى عيناي، وكنت أشعر بإحساسٍ غريب، إلا أنني، على أي حال، كنت مستانسًا بهذا الحديث.
ونحن نتحدث، شعرت بوطأة الجوع الشديد، الذي يتوارى معه الخجل، استأذنت منه، وقمت إلى الطاولة لأحضر طبق الفاكهة الكبير، وأخذت إصبع موز، وقلت له: — اتفضل يا جدي.
أشاح بوجهه وقال: — كلت كتير يا ولدي، اتفضل انت.
وأخذت أتناول عدة ثمرات، حتى شعرت بأن الجوع قد تراجع، فقال لي: — كمّل أكل، انت شاب، والشباب عيجوع بسرعة.
قلت: — الحمد لله.
كانت حكاية الجد عن معركة وقعت بين عائلتهم وعائلةٍ أخرى في البلد، وأن أخوه، جد صديقي لأبيه، قد قتل جاره في الغيط بسبب خلافٍ على حدود الأرض، الأمر الذي جعل العائلة الأخرى تجمع الرجال والسلاح، لتدور معركة كبيرة بين العائلتين.
وأثناء الحديث، شعرت إني أريد أن أذهب للحمام مرة أخرى، مثل ما يحدث لنا جميعًا في فصل الشتاء، وخصوصًا أنني كنت ضيفًا عند قومٍ كرماء؛ فهذا عصير، وذاك شاي، وتلك قهوة.
نظرت إلى الجد بلطف، واستأذنته، فقال لي: — هل ستعود للنوم؟
وكنت أعتقد أن الوقت قد قارب الفجر، قلت له: — سوف أتوضأ، وأغير هدومي، وأنطلق إلى موطني.
فقال: — سوف أنتظرك عند مدخل القرية، وأرافقك في الطريق إلى بلدةٍ مجاورة.
قلت: — يا مرحب.
ابتسم لي، وقام يسير في اتجاه الحائط المقابل لباب المندرة.
قمت من مكاني، وتوجهت إلى الحمام، توضأت، ثم خرجت إلى المندرة، ودخلت غرفة المبيت، وصليت ركعتين، حاولت أن أعود للنوم، لكن دون جدوى. فأيقظت صديقي، وكانت الساعة الثالثة والنصف صباحًا، وغيرت ملابسي، وعزمت على الرحيل.
وحاول صديقي أن يثنيني عن القرار، لكن دون جدوى، وطلب مني أن أتمهل حتى يحضر الإفطار، إلا أنني قلت له إنني أكلت فاكهة كثيرة، ولست جائعًا.
وضعت حقيبتي في المقعد الخلفي للسيارة، وأدرت المحرك، الذي دار بصعوبة، حتى إنني ظننت أن البطارية نامت، إلا أنها دارت في آخر محاولة، وأقسمت على صديقي أن يدخل من البرد القارس حتى أذعن لرغبتي، وحركت ناقل الحركة، وانطلقت إلى الطريق المظلمة، معتمدًا على إنارة السيارة.
وتذكرت فجأة جد صديقي، وقد كنت بلغت أول البلد، حتى وجدت الرجل واقفًا في انتظاري حسب المتفق عليه. فتح باب السيارة، وجلس بجواري، وكانت رائحته مميزة؛ ليست كريهة، وليست عطرًا، رائحة أخرى غريبة.
نظرت إلى الطريق المظلم، وأخذت أمازحه: — احنا عايزين نشوف لك عروسة يا جدي.
ضحك وقال: — أنا رايح عند مراتي.
فقلت: — خلاص كدا ما نقدرش نزعل الحاجة.
كانت السيارة تنهب الأرض نهبًا بين البلدين، خصوصًا أن خارج القرية لا توجد عوائق أو مطبات، وكنت أفكر في أنني أعود إلى البيت، أنظم بعض الأمور، ثم أخلد إلى النوم، وأنا غارق في الأفكار، باغتني: — بس وقف هنا.
فقمت بالضغط على المكابح، حتى وقفت السيارة على حافة الطريق، ثم فتح الباب، وسلم عليّ بقوةٍ لافتة، وحاول أن ينزلني لكي يستضيفني، إلا أنني شكرته، وتذرعت بمواعيد عملٍ في الصباح الباكر.
ونظرت في أعقابه وأنا أحرك ناقل الحركة .إلى المكان الذي نزل فيه، حيث لم يكن هناك أعمدة إنارة، والمكان مظلم، وكأنها مقابر.
وعلى أي حال، فأنا متحمس؛ لأنني ما زلت في أول الطريق، وحاولت تشغيل راديو السيارة للتسلية، حيث إنني من هواة سماع الراديو، لاسيما في فصل الشتاء، إلا أن الإشارة كانت ضعيفة، وكانت تصدر أصواتًا متقطعة مزعجة تشبه المواء والصراخ، فأغلقته حتى أنتبه للطريق.
تذكرت بعض الأمور، واتصل حبل الأفكار، وبدأ الطريق يضيء رويدًا رويدًا بعد أذان الفجر، وتدب الحياة في الطريق، هذا من خلفي، وآخر من أمامي، وانبلج الصباح، وتبدد الملل من كثرة وسرعة السيارات، التي كانت القيادة بينها أشبه بلعبة نيد فور سبيد.
فتحت الراديو، لأجد الإشارة قد عادت، حاولت أن أضبط المؤشر على محطة القرآن الكريم، إلا أنها كانت مشوشة، حتى إنني أخذت أعبث بالمؤشر حتى استقر على إذاعة الشباب والرياضة، وبرامجها الصباحية التي تبعث على الأمل، وموسيقاها ذات الإيقاع الشبابي المميزة، حتى إنني كنت أقود بطريقة آلية، أعضائي تتفاعل مع مؤثرات الطريق وصوت الراديو في الخلفية، حتى إنني لم أدرِ كيف وصلت.
