📁 آخر الأخبار

حفظ الألقاب قِبلة التربية ومرآة الذوق

 


حفظ الألقاب قِبلة التربية ومرآة الذوق

بِقَلَم: نُورُ خَالِدٍ أَبُو عُمَرَ
التربية ليست مجرد أوامر تُلقى على عَجل، ولا كلماتٍ عابرة تذروها رياح النسيان؛ بل هي البناء الوجودي الأول الذي يصوغ ملامح الإنسان ويخطّ مساره الحقيقي في الحياة.

هي تلك البذرة الأزلية التي تُغرس في القلوب، فإذا ما سُقيت بماء الذوق والأدب، انبعث منها جيلٌ يصوغ الذوق كأصلٍ وثيق في سلوكه؛ أما إن هُجِرت فلن تحصد الأمة من حقول الزمن إلا الفراغ، والفوضى، والضياع.

وحين نُعلّم أبناءنا أنَّ الذوق هو المبتدأ والمنتهى، فإننا نغرس في نفوسهم قِبلة داخلية تحفظ لهم الاتجاه، ونمنحهم سلطاناً روحياً يملك مقاليد القلوب؛
لتصبح الكلمة الطيبة تاجاً يزين الهوية الإنسانية، ويتحول حفظ الألقاب إلى سياجٍ منيع يحمي الأصول، وشاهد عدلٍ على أن التربية قد بلغت ذروة تمامها.

إن صون الألقاب ليس ترفاً بروتوكولياً يُتجاوز، بل هو فرضٌ وجودي يجسّد عمق الأخلاق، ويؤكد المبادئ التي تمنح البناء الاجتماعي توازنه واستقراره؛
ولذا، حين يُذكر اللقب مقروناً باسم صاحبه، يتردد في الآفاق ثناءٌ ضمني عميق: "أبوه ربّاه"، لأن الألقاب في جوهرها شهادةٌ على نبل الغرس قبل أن تكون مجرد رتبة اجتماعية.

ومن هنا، تتجلى القيمة الحقيقية لتلك الكلمات البسيطة التي تنساب في تفاصيل حياتنا اليومية: "لو سمحت"، "حضرتك"، "من فضلك"… عبارات قد تبدو صغيرة في مبناها، لكنها هائلة في معناها؛ إذ تحمل في طياتها احتراماً عميقاً، وتكشف عن عروقٍ أصيلة راسخة، وتُبرهن على أن التربية ليست تلقيناً جافاً بل هي أسلوب حياة ونَفَسٌ يتنفسه السلوك اليومي.

هذه المفردات ليست مجاملات عابرة، بل هي المفاتيح السحرية التي تُفتح بها القلوب، والدليل الحي على أن المجتمع لا يزال ينبض بالذوقيات.

ولكن، حين تتوارى التربية ويحدث الخلل، يبدأ النقص في نهش الأرواح، ليتجسد في كلماتٍ جارحة وسلوكياتٍ فجّة تخلو من أي مسحة أدب، وفي تجاهلٍ مأساوي للمقامات يمحو الفوارق، لنسقط في عبثية محو الألقاب التي تقود المجتمع إلى سيولة قيمية مرعبة.
إنّ انفصالنا عن تقاليدنا العريقة، واغترابنا عن مبادئنا الجوهرية، هو ما جعلنا نستهين بالألقاب ونفقد قِبلة الذوق العام وآداب الكلام أسلوباً وطريقة، ليتحول المشهد الاجتماعي إلى مسرح عبثي تضيع فيه المرجعيات ويغيب عنه الاحترام.

إن الأخلاق في عمقها الفلسفي ليست شعاراً برّاقاً يُرفع في المحافل، بل هي حياة تُعاش وتُمارس في كل تفصيل. هي التي تفتح أعين الأبناء على حقيقة أن الأصول والمبادئ ليست قشوراً اجتماعية، بل هي الجذور العميقة التي تثبّت شجرة الذوق  والأخلاق في الأرض.
فإذا ما غرسنا هذه القِبلة في نفوسهم منذ نعومة أظفارهم، أعدنا للكلمة هيبتها وللإنسان قدسيته ومكانته؛ فالتربية قدرٌ حتمي يخط مصير الأمم، ويصنع البرزخ الوجودي بين جيلٍ ينهض بالذوق والأصول، وجيلٍ يجرّ المجموع إلى قاع الفوضى والابتذال
حين تجفّ المحابر وتتهاوى أستار الزيف والمجاملة، تبقى الأصول وحدها شاهدةً على قيمة الإنسان، ويبقى حفظ الألقاب وإجلال المقامات هو البرهان الأصدق على نبل الغرس وطهارة المنبت، والشهادة الأسمى على أنَّ الأبوين قد فقها أسرار التربية وأتقنا ببراعةٍ بالغة صناعة الإنسان.
 
إن صون الألقاب ليس ترفاً بروتوكولياً أو إرثاً نتمسك به عبثاً، بل هو النبض الخفي للكرامة وطوق النجاة الذي يعصم المجتمع من التردي في قاع الابتذال؛ ونحن نقف اليوم أمام حقيقة صلبة كقدرٍ لا يلين: أنَّ الاحترام المتبادل ورعاية فارق السن والمقام هو القانون الدستوري الأول لبقاء الوعي الإنساني، فمن لم يربّه الفهم ولم يقوّمه اللطف، فلتؤدبه صرامة الحقيقة وصراحة الوعي.
 
لن تُشيّد حضارة، ولن يستقيم وعيٌ، إلا إذا كان الاحترام سياجاً مقدساً لا يُمس، والذوق نَفَسَ الحياةِ فلتكن الأصول قِبلتنا، وليكن الأدب دستورنا، فمن فرّط في أصوله فقد هدم كينونته، ومن فقد الذوق.. فقد قِبلة إنسانيته.
تعليقات