📁 آخر الأخبار

غريب بين الجميع

 


غريب بين الجميع

بقلم: نرمين السيد 

في كثير من الأحيان، لا يشعر الإنسان بالغربة لأنه بعيد عن وطنه أو مدينته، بل لأنه أصبح غريبًا بين الوجوه التي يعرفها. يجلس وسط الناس، يشاركهم الأحاديث والضحكات، لكنه يشعر في أعماقه أن هناك مسافة خفية تفصله عن الجميع، مسافة لا تُقاس بالأمتار، بل بالمشاعر التي لم تعد كما كانت.

أصبح كثيرون يشعرون أن القلوب تغيرت، وأن العلاقات لم تعد تُبنى على المودة الصادقة كما في السابق، بل على المصالح والمكاسب المتبادلة. فإذا انتهت المصلحة، انطفأ الود، وإذا غاب النفع، تلاشى الاهتمام. وهنا يبدأ الإنسان في التساؤل: أين الحب الذي يُمنح دون مقابل؟ وأين الصداقة التي لا تنتظر منفعة؟ وأين القلوب التي كانت تفرح لفرح الآخرين وتحزن لحزنهم بصدق؟

إن أكثر أنواع الوحدة قسوة ليست أن تكون وحيدًا في مكان خالٍ، بل أن تكون محاطًا بالكثير من الناس وتشعر رغم ذلك بأن لا أحد يفهم ما يدور في داخلك. قد تتحدث كثيرًا، لكنك لا تجد من يصغي حقًا، وقد تبتسم أمام الجميع بينما تخفي خلف ابتسامتك تعبًا لا يراه أحد.

ومع تسارع الحياة وتزايد الضغوط اليومية، أصبح الناس أكثر انشغالًا بأنفسهم، وأكثر حرصًا على مصالحهم الخاصة. فتراجعت بعض القيم الجميلة التي كانت تمنح العلاقات دفئها، مثل الوفاء والإخلاص والتضحية. ولهذا يشعر البعض أن الزمن أصبح مختلفًا، وأن المشاعر الصادقة أصبحت نادرة الوجود.

لكن الحقيقة أن الخير لم يختفِ من العالم، والقلوب النقية لم تنقرض. فما زال هناك أشخاص يمنحون الحب دون انتظار مقابل، ويقدمون الدعم دون حساب للمكسب والخسارة، ويؤمنون أن أجمل ما في الحياة هو أن يكون الإنسان سببًا في سعادة غيره. ربما أصبح العثور عليهم أصعب من الماضي، لكن وجودهم ما زال يمنح الأمل.

إن الشعور بالغربة بين الناس قد يكون رسالة تدعونا إلى البحث عن العلاقات الحقيقية، لا عن العلاقات الكثيرة. فليس المهم عدد من نعرفهم، بل قيمة من يبقون بجانبنا بصدق عندما تتغير الظروف وتتبدل الأحوال.

وربما يبقى أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في زمن يبحث فيه الجميع عن المقابل، أن يحافظ هو على نقاء قلبه، وألا يسمح لقسوة التجارب أن تحوله إلى نسخة أخرى من ذلك العالم الذي يشتكي منه. فالحب الصادق قد يصبح نادرًا، لكنه يظل موجودًا ما دام هناك من يؤمن به ويحمله في قلبه.

فالغريب الحقيقي ليس من يعيش بين الناس ويشعر بالوحدة، بل من فقد القدرة على الحب والرحمة والوفاء. أما من ما زال قلبه ينبض بالمشاعر الصادقة، فسيجد يومًا من يشبهه، ومن يفهم لغته، ومن يثبت له أن الخير ما زال يسكن بعض القلوب.

تعليقات