📁 آخر الأخبار

شمسُ اليقينِ تُبدّدُ صقيعَ المادية

 


شمسُ اليقينِ تُبدّدُ صقيعَ المادية 

بقلم: نور خالد أبو عمر
يفتح العالم أبوابه على وهجٍ صاخبٍ لا يهدأ؛ أبراجٌ تعانق الغيم كعمالقةٍ من زجاج، وطرقٌ من نورٍ تمتد كأفعى لا تنام، وأصواتٌ تتزاحم كأمواجٍ متكسّرة على صخورٍ باردة.

لكن خلف هذا البريق، يظل القلب متلهفاً، والروح تائهةً في فراغٍ لا يسدّه تِبْرُ العالم، وأنينٌ لا يُهدّئه فيضُ الأشياء.

لقد صار الإنسان سيّداً على أدواته، يطوي الأرض بلمسةٍ ويُمسك بخيوط السماء بعلمه، لكنه بقي غريباً عن ذاته، عاجزاً عن أن يجد دفء السكينة.

يملك وفرةً لا تنتهي، لكنه لا يعرف كيف يحوّلها إلى طمأنينة؛ يملك علماً غزيراً، لكن نبع الرحمة في داخله قد جفّ، فصار عملاقاً في الخارج وصغيراً في الداخل.

حتى الروحانيات في زمن الضجيج لم تسلم؛ تحولت إلى طقوسٍ آلية، كلماتٍ تُقال بلا حرارة، وصلواتٍ تؤدى بلا ارتعاشٍ في الأعماق.

هذا التدين الشكلي لا يدفئ الروح، بل يتركها وحيدةً في مواجهة صقيع المادية، ويحوّل النجاحات إلى أثقالٍ من ذهبٍ تزيد من وعورة الطريق بدل أن تمنح أفقاً للحرية.

وهنا يبرز السؤال: هل يمكن للإيمان أن يكون عادةً موروثة؟

أم أن جوهره لا يُدرك إلا حين يهتز القلب بالدهشة ويستيقظ العقل على نور المعنى؟

بلسمُ الروح لا تُقدّمه متاجرُ الرفاهية، ولا تمنحه خوارزميات الحداثة، بل يبدأ في رحلةٍ صامتة نحو الداخل، في عزلةٍ مقدسة، في نداءٍ خفيٍّ يهمس للروح: "انفض عن إيمانك غبار العادة."

إنها رحلة عمودية، لا أفقية؛ رحلة نحو الداخل، لا نحو الخارج.
ففي اللحظة التي تشرق فيها شمس اليقين من باطنك، تنقشع غيوم الحيرة، ويعود الطائر المغترب إلى عشه الأزلي حاملاً سلامه الحقيقي.

وهكذا، يصبح المعنى هو القبلة، واليقين هو النور، والروح هي الجوهر الذي يضيء الطريق.

إن الإنسان لا يكتمل بما يملك، بل بما يعيشه في داخله؛ ولا يتحرر بما يسيطر عليه، بل بما يكتشفه في ذاته الظامئة إلى غديرٍ من النور الباطني، ويغدو الوجودُ محراباً تتهجّدُ فيه الروحُ وسطَ لُجّةِ الضوضاء.
تعليقات