مرآة النقص أمام اكتمال الروح
بقلم:نور خالد أبو عمر
ليس كلُّ من يخسرُ امرأةً رائعةً يندم؛ فالبعضُ يتنفسُ الصعداء، وكأنَّ الخسارةَ عندهُ طوقُ نجاةٍ من مرآةٍ تكشفُ لهُ ما ينقصُه، وتضعهُ أمامَ ذاتهِ بلا رتوشٍ ولا أقنعة.
إنَّ حضورَ المرأةِ العميقة ليس مجردَ تواجدٍ عابر، بل امتحانٌ صامتٌ للروح، يفضحُ هشاشةَ الداخل ويُعرّي ضعفَ الوعي، فيرى الرجلُ غيرُ المستعد في النضجِ ضغطًا، وفي الاتزانِ عبئًا، وفي الجمالِ الداخلي مسؤوليةً لا يقوى على حملها.
فهي كيانٌ يفيضُ بالمعنى، ككوكبٍ يضيءُ مدارَ الوعي، يفضحُ الظلمةَ ويكشفُ المستور.
الإنسانُ الذي لم يعتد أن يتطور، يرى في وضوحِكِ فضيحةً لعجزه، وفي اكتمالكِ محاكمةً لفراغه، فيهربُ لا لأنَّكِ صعبة، بل لأنَّكِ واضحةٌ أكثرَ مما يحتمل، وكاملةٌ بقدرٍ يفضحُ نقصه.
مواجهةُ النفسِ أصعبُ من فقدانكِ، لذلكَ يُقنعُ نفسهُ بأنَّكِ لستِ بتلكَ الروعة، فالتقليلُ منكِ أهونُ عليهِ من أن يكبرَ لأجلكِ.
يختبئُ خلفَ أقنعةٍ هشّة، كطفلٍ يخافُ مواجهةَ المرآة، فيحوّلكِ في مخيلتهِ إلى صورةٍ مشوّهةٍ كي ينجو من الحقيقة، بينما الحقيقةُ تظلُّ تلاحقهُ كظلٍّ لا ينطفئ.
إنَّ الناقصَ لا يعرفُ كيفَ يحبُّ امرأةً كاملة، لأنَّ الحبَّ الحقيقي ارتقاءٌ ومواجهة، لا هروبٌ ولا تصغير.
إنَّهُ إمَّا أن يُصغّركِ حتى يتسعَ لنفسه، أو يهربُ منكِ ليبقى في دائرةِ راحتهِ الضيقة، دائرةٍ أشبهَ بقفصٍ من زجاجٍ هشّ يرى فيهِ ذاتهُ مشروخةً ويخافُ أن ينكسرَ أكثرَ إذا اقتربَ من نوركِ.
لكنَّ خسارتَكِ ليست خسارتَكِ أنتِ، بل خسارتَهُ هو؛ فأنتِ تبقينَ كاملةً بذاتكِ، بينما هو يظلُّ أسيرَ نقصهِ، يُخدّرُ جرحهُ بالراحةِ الزائفة، ويُقنعُ نفسهُ أنَّ الهروبَ انتصار، وهو في الحقيقةِ هزيمةٌ ساحقة أمام ذاتهِ.
فالذينَ يرتاحونَ بعد فقدانِ امرأةٍ عظيمة، إنما يرتاحونَ من مواجهةِ أنفسهم لا منها، ويظلونَ في دائرةٍ ضيقةٍ لا تتسعُ إلا لعجزهم.
أمَّا أنتِ، يا كاملةُ، فتسيرينَ في الأرضِ خفيفةً، وفي السماءِ شامخةً، ممتلئةً بالمعنى، مضيئةً بالسكينة، كطائرٍ يحلّقُ في فضاءٍ نقيٍّ لا ينتهي، وكشمسٍ تُشرقُ على من يجرؤ أن يفتحَ قلبهُ للنور، وتتركُ من يهربُ في ظلالِه أسيرًا لعتمتهِ، غريبًا عن ذاتهِ، محرومًا من اكتمالِ الوجود.
فأنتِ لستِ عبئًا، بل إشراقةً تُحرّكُ الوعي، وصوتًا يُوقظُ الغافل، ومرآةً تُعرّي الناقص.
ومن لا يحتملُ وضوحَكِ سيظلُّ يهربُ من نوركِ ويُقنعُ نفسهُ أنَّكِ لستِ جديرةً بالحب، بينما الحقيقةُ أنَّهُ ليس جديرًا بكِ.
لأنكِ اكتمالٌ يمشي على الأرض، وبهاءٌ يفيضُ في السماء، ووجودٌ يفضحُ العدم، وصدقٌ يعرّي الزيف، كأنَّكِ قصيدةٌ أبديةٌ تُكتَبُ في سفرِ الروح، لا يقرأها إلا من تجرّأ أن يواجهَ ذاتهُ ويصعدَ إلى مقامِ النور.
