📁 آخر الأخبار

أبطال "الظلال الخفية": عندما يتحول الأبناء إلى "آباء لآبائهم"

بقلم /هبة جمال المندوة 



في غمرة الحديث عن مرض "آلزهايمر" وتكلفته الطبية، وتلاشي الذكريات من عقول المصابين به، يغيب عن المشهد أبطال يعيشون في عتمة الظل. هم ليسوا مرضى، لكن حياتهم توقفت بالكامل؛ إنهم "المرافقون الأساسيون"، الأبناء والبنات والأزواج الذين يذوبون ببطء، ليصبحوا صمام الأمان الوحيد لأحبائهم الذين يغرقون في بحر النسيان. في هذا التقرير، ندخل إلى بيوت أغلقت أبوابها على معارك يومية صامتة، ونستمع إلى أنين "مقدمي الرعاية" الذين تحولوا فجأة إلى "آباء لآبائهم".

 عندما تنعكس الآية

في شقة هادئة بوسط العاصمة، تجلس "مريم" (34 عاماً) تراقب والدتها التي تجاوزت السبعين. مريم، التي تركت وظيفتها كمهندسة ديكور قبل عامين، تصف حالتها بكلمات تختنق بالدموع: "أصعب لحظة ليست عندما نسيت أمي أين وضعت مفاتيحها، بل تلك اللحظة التي نظرت فيها إلى عيني وقالت لي بغرابة: (أنتِ بنت حلال.. من أي بلد جئتِ لتساعديني؟)".

تتابع مريم: "لقد انعكست الآية تماماً. طوال حياتي كانت هي من يطعمني، ويلبسني، ويحميني. اليوم، أنا من أطعمها بملعقة، وأختار لها ملابسها، وأراقب خطواتها خوفاً من أن تؤذي نفسها. لقد أصبحتُ أُمّاً لأمي".

قصة مريم ليست حالة فردية، بل هي مرآة لآلاف القصص في مجتمعاتنا العربية، حيث يقع عبء الرعاية بالكامل على كاهل العائلة، في ظل غياب مراكز الرعاية المتخصصة أو عدم قدرة الأسر المادية على تحمل تكاليفها.

 احتراق داخلي" وإحساس بالذنب

العيش مع مريض آلزهايمر في مراحل متقدمة ليس مجرد تضحية بالوقت، بل هو استنزاف نفسي وجسدي هائل يُعرف علمياً بـ "احتراق مقدم الرعاية" (Caregiver Burnout).

يقول "أحمد" (41 عاماً)، الذي يرعى والده المصاب بالمرض منذ أربع سنوات: "النوم أصبح رفاهية. والدي يستيقظ في الثالثة فجراً يصرخ ويريد الخروج إلى الشارع ظناً منه أنه ذاهب إلى عمله القديم. أعيش في رعب دائم من أن يهرب أو يؤذي نفسه".

ويضيف أحمد بزفرة حارة: "الأسوأ من التعب الجسدي هو جلد الذات. أحياناً أفقد أعصابي وأصرخ، ثم أقضي الليل كله أبكي شعوراً بالذنب. أشعر بأني لست ابناً باراً بما يكفي، رغم أنني ألغيت فكرة الزواج والسفر من أجل الاستمرار في خدمته".

المشهد النفسي: "الفقد المسبق"

يوضح خبراء الصحة النفسية أن مرافقي مرضى آلزهايمر يعيشون حالة فريدة من الحزن تسمى "الفقدان الغامض" أو "الموت على قيد الحياة". فهم يحزنون على شخص ما زال جسده حياً وموجوداً أمامهم، لكن روحه وشخصيته وذكرياته التي شكّلت رابطهم به قد اختفت.

مقدم الرعاية يواجه ضغوطاً مضاعفة؛ فهو مطالب بأن يكون قوياً، صبوراً، ومبتسماً طوال الوقت أمام المريض، بينما هو في الحقيقة يتآكل من الداخل، ويفتقد الدعم الاجتماعي، إذ ينفضّ الأقارب والأصدقاء تدريجياً مع طول سنوات المرض، ليبقى المرافق وحيداً في مواجهة الشراسة اليومية للمرض.

رعاية المِعوان.. غياب الدعم المؤسسي

يحتاج "أبطال الظل" هؤلاء إلى من يدعمهم لكي يستمروا. إن تقديم الدعم النفسي والمادي لمقدمي الرعاية ليس ترفاً، بل هو ضرورة لحمايتهم من الانهيار؛ لأن انهيار مقدم الرعاية يعني ببساطة ضياع المريض.

تنهي مريم حديثها وهي تمسح على يد والدتها المستغرقة في النوم: "أعلم أن أمي لن تعود كما كانت، وأعلم أنها قد لا تتذكر اسمي مجدداً. كل ما أتمناه الآن هو ألا يخذلني جسدي، وأن أظل قادرة على منحها الأمان الذي منحتني إياه يوماً.. حتى الرمق الأخير".

إنهم أبطال لا يرتدون عباءات، ولا ينتظرون أوسمة، تدور حياتهم في فلك تأمين حياة كريمة لمن أحبوهم، ليثبتوا أن الحب والوفاء أعمق بكثير من مجرد ذاكرة عابرة.



 

تعليقات