📁 آخر الأخبار

حين حاكم الشك قلباً عاشقاً

 


حين حاكم الشك قلباً عاشقاً

 بقلم م :ياسر أبو الغيط


كان يبحث عن إمرأةٍ لم يسبق لقلبها أن عرف نبض الحب ولم تلامس روحها نسمة شوق ولم تسكن عينيها صورة رجل غيره. كان يريدها صفحةً بيضاء لم يخط عليها القدر حرفاً ولم تترك فوقها الأيام أثراً. ظن أن الحب يُولد من الفراغ وأن القلب الذى لم يعرف أحداً قبله سيكون أكثر وفاءً وأكثر إخلاصاً وأكثر بقاءً

وحين وجدها ظن أنه عثر على الحلم الذى ظل يطارده سنوات طويلة. كانت رقيقة كنسمة فجر هادئ وجميلة كأغنية تعزفها الرياح فوق حقول الورد. أحبها بكل ما أوتى من مشاعر وأحاطها بعنايته وإهتمامه حتى ظنت أن الحياة قد فتحت لها أبواب السعادة كلها دفعةً واحدة

مضت الأيام هادئة جميلة وكانت القلوب ترسم أحلامها على جدران المستقبل. غير أن القدر كان يخفى بين طياته إختباراً قاسياً. ذات يوم عرف أن قلبها عرف الحب قبل أن يعرفه هو. لم يكن حباً آثماً ولا خيانةً ولا خطأً يجرح الكرامة. كانت مجرد قصة بريئة مرت فى عمرها كغيمة صيف عابرة ثم رحلت دون أن تترك خلفها سوى ذكرى بعيدة

لكن الشك حين يتسلل إلى القلب لا يسأل عن الحقيقة. يتحول إلى نار تأكل العقل وإلى سكين تمزق أجمل المشاعر. صار يفتش فى كلماتها ويبحث فى صمتها ويتهم نظراتها ويحاسبها على زمن لم يكن جزءاً منه. وكلما حاولت أن تشرح له إزداد عناداً وكلما إقتربت منه إبتعد أكثر

كانت تتألمه بصمت لأنها كانت تحبه حقاً. كانت ترى فى عينيه الرجل الذى إختارته روحها دون سواه. لكنها كانت تدرك أن الإنسان لا يستطيع أن ينتصر على خصم يسكن داخل قلب من يحب. فالشك إذا تحول إلى يقين زائف يصبح أقوى من كل البراهين

وجاء اليوم الذى إنهارت فيه الجسور بينهما. رحلت وهى تحمل وجع الفراق فى قلبها ودموع الإنكسار فى عينيها. لم تغضب ولم تصرخ ولم تحاول الإنتقام. فقط حملت كرامتها ومضت تاركة خلفها رجلاً إنتصر لشكوكه وخسر الحب

ومع مرور الأيام بدأ يدرك الحقيقة المؤلمة. إكتشف أن الإنسان لا يُقاس بماضيه بل بوفائه فى حاضره. وأدرك أن الحب ليس إمتلاكاً ولا تحقيقاً لشروط مثالية مستحيلة. الحب هو أن نقبل من نحب بكل ما مر به وبكل ما شكله وصنع منه إنساناً أجمل وأنقى

عندها شعر أن خسارته لم تكن خسارة إمرأة فقط بل خسارة وطن كامل من المشاعر. تذكر ضحكتها وحنانها وكلماتها الصادقة وإكتشف أن القلب الذى أحب بإخلاص لا يجوز أن يُحاكم على ذكرى قديمة ماتت قبل أن يولد الحب الحقيقى

وهكذا تعلم متأخراً أن الحب لا يقتله الماضى بل يقتله الشك. وأن الثقة ليست هدية يمنحها الزمن للعاشقين بل قرار شجاع يتخذه القلب كل يوم. فكم من قصة حب عظيمة هدمها وهم صغير وكم من روحين كان يمكن أن تكملا العمر معاً لكن أحدهما إختار أن يستمع إلى خوفه أكثر مما استمع إلى نبض الحب

ويبقى الحب الحقيقى هو ذلك الذى يرى الحقيقة بعين القلب لا بعين الشك. ذلك الحب الذى يغفر ويتفهم ويحتضن الإنسان كما هو لا كما نتخيله. لأن أجمل العلاقات ليست تلك التى تخلو من الماضى بل تلك التى تنتصر على الماضى وتبنى مستقبلها فوق أرض من الثقة والصدق والوفاء.
تعليقات