الغيرة حين يحرس الحب كرامته بقلم م: ياسر أبو الغيط
ليست الغيرة ضعفاً كما يحاول البعض أن يصورها وليست مرضاً فى كل الأحوال كما يروج آخرون. إنها فى أصلها غريزة فطرية أودعها الله فى النفس الإنسانية لتكون حارساً للكرامة وسياجاً للمودة وجرس إنذار يدق كلما شعر القلب بأن ما يحبه قد أصبح عرضةً لعبث الآخرين أو استهانة المقربين. فالإنسان لا يغار إلا على ما يرى أنه جزء من وجوده وقيمة لا يمكن تعويضها. أما ما لا يعنيه فلا يثير فى نفسه إلا اللامبالاة.
وحين يتجذر الحب فى القلب ويصبح حقيقةً تسكن الوجدان لا مجرد عاطفة عابرة تصبح الغيرة وجهاً آخر لذلك الحب. فكلما ازداد التعلق بمن نحب ازدادت خشيتنا من فقدانه أو من أن تمتد إليه يد تعبث بمشاعره أو عين تستبيح خصوصيته أو كلمة تهدم ما بناه الإخلاص عبر سنوات. لذلك فإن الغيرة ليست نقيض الحب بل إحدى لغاته الصامتة التى لا يجيد قراءتها إلا أصحاب القلوب الصادقة.
غير أن الحب وحده لا يكفى لصناعة الغيرة. فهناك سلوكيات رعناء تجعل أكثر القلوب اتزاناً أسيرةً للقلق. حين يتعمد أحد الطرفين استعراض إعجاب الآخرين أو يبالغ فى المجاملات أو يستمتع بإشعال نار الغيرة فى قلب من يحبه تحت دعوى المزاح أو اختبار المشاعر فإنه لا يمارس ذكاءً عاطفياً بل يرتكب جريمة نفسية فى حق علاقة كان يفترض أن يحميها لا أن يعبث بها. فليس كل اختبار للحب دليلاً على قوته بل قد يكون سبباً مباشراً فى موته.
والغيرة لا تسكن قلوب العشاق وحدهم. فقد يغار الأب على ابنته لأن كرامتها امتداد لكرامته ويغار الأخ على أخته لأن شرفها جزء من شرفه ويغار الزوج على زوجته لأنها شريكة عمره وتغار الزوجة على زوجها لأنه موطن أمنها وسندها. وهى مشاعر لا يصنعها التملك بل تصنعها المسؤولية والشعور بأن من نحب أمانة يجب أن تُصان لا أن تُترك نهباً لكل عين ولكل عابر سبيل.
ومن هنا جاءت الشريعة الإسلامية لترفع من شأن الغيرة المنضبطة وتمنحها مكانتها الأخلاقية. فقد قال نبى الهدى محمد بن عبد الله ﷺ: "لن يدخل الجنة ديوث". ولما سُئل عن الديوث بيَّن أنه الذى لا يغار على أهله أو الذى يقر الفسق فيهم. ولم يكن المقصود بذلك أن تتحول الحياة إلى سجن أو أن تُصادر الحريات أو تُبنى العلاقات على الشك وإنما أن تبقى الكرامة مصونة وأن يبقى العرض عزيزاً لا يُبتذل ولا يُستهان به.
إن الغيرة لا تعنى غياب الثقة كما يظن السطحيون. فالإنسان قد يثق بمن يحب ثقةً مطلقة لكنه لا يثق فى أطماع البشر ولا فى ضعف النفوس ولا فى نزوات العابرين. فالرجل يدرك جيداً كيف ينظر بعض الرجال إلى المرأة الجميلة وتعلم المرأة أيضاً كيف قد تنظر بعض النساء إلى الرجل الناجح أو صاحب المكانة. لذلك فإن الغيرة فى كثير من الأحيان ليست اتهاماً للمحبوب بل قراءة واقعية لطبيعة الإنسان بكل ما فيها من شهوات وأهواء ونقاط ضعف.
لكن كما أن لكل فضيلة حداً فإن تجاوز ذلك الحد يحولها إلى نقيضها. فالغيرة إذا فقدت عقلها تحولت إلى شك وإذا استبد بها الوهم أصبحت سجناً وإذا سيطر عليها الهوس قتلت الحب الذى جاءت لتحميه. وما أكثر العلاقات التى لم يهدمها الخيانة بل هدمتها الظنون. وما أكثر البيوت التى لم تسقط بفعل الغدر وإنما سقطت تحت وطأة الاتهامات اليومية والمراقبة المستمرة ومحاولات السيطرة التى ترتدى ثوب الغيرة زوراً.
ولذلك فإن الفرق بين الغيرة النبيلة والغيرة المريضة هو الفرق بين الحارس والجلاد. الأولى تحمى ولا تؤذى وتطمئن ولا تخنق وتحافظ على الكرامة دون أن تسلب الحرية. أما الثانية فتهدم الثقة وتزرع الرعب وتحول الحياة إلى ساحة تحقيق لا تنتهى وإلى محكمة لا يصدر عنها إلا أحكام الإدانة.
ومن أكثر الأفكار ظلماً تلك المقولة التى تزعم أن غيرة المرأة حب بينما غيرة الرجل شك. وهى عبارة لا تستند إلى منطق ولا إلى علم ولا إلى تجربة منصفة. فالغيرة ليست مرتبطة بجنس الإنسان وإنما بأخلاقه ووعيه وحدود سلوكه. فقد تكون المرأة أكثر شكاً من الرجل وقد يكون الرجل أكثر اتزاناً منها والعكس صحيح. فالمعيار الحقيقى هو وجود سبب يدعو إلى الغيرة أو غيابه ومدى التزام كل طرف باحترام مشاعر شريكه وعدم تعمد استفزازه أو التقليل من مكانته.
إن العلاقات العظيمة لا تُبنى على انعدام الغيرة كما يروج دعاة الانفلات ولا تُبنى أيضاً على الشك المرضى كما يفعل أصحاب النفوس المضطربة. إنها تُبنى على معادلة دقيقة يكون فيها الحب قائداً والعقل حاكماً والاحترام دستوراً والغيرة حارساً أميناً لا جلاداً متسلطاً.
فالغيرة إذا انطلقت من قلبٍ نقى كانت دليلاً على الحب وإذا خرجت من عقلٍ راشد أصبحت حمايةً للعلاقة. أما إذا تحولت إلى هوس أعمى فقدت معناها النبيل وصارت معول هدمٍ لا يترك خلفه إلا قلبين أنهكهما الشك وعلاقةً دفنتها الأوهام قبل أن يقتلها الواقع.
