📁 آخر الأخبار

وليمةُ الدم حينَ يلتهمُ الأخُ أخاه

 


وليمةُ الدم… حينَ يلتهمُ الأخُ أخاه

بقلم: نُورُ خَالِدٍ أَبُو عُمَرَ
في عالمٍ يزدحمُ بالقصصِ المأساويّة، هناك حكاياتٌ لا تُروى إلّا بارتجافٍ داخليّ، إذ تتجاوزُ حدودَ العقلِ والرحمةِ لتغدو كابوسًا حيًّا يفضحُ هشاشةَ الإنسان حين يسقطُ في هاويةِ الجنون… جريمةٌ أُسريّةٌ تحوّلت إلى وليمةِ دمٍ، حيثُ التهمَ الأخُ أخاهُ، ومزّقَ جسدهُ كما لو كانَ قربانًا لِوهمٍ مريضٍ… أيُّ بيتٍ هذا الذي ينقلبُ من حضنٍ آمنٍ إلى مسرحٍ للرعبِ؟ وأيُّ عقلٍ ذاك الذي يخلعُ عن الإنسانِ إنسانيّتَهُ ليتركَهُ عاريًا أمامَ وحشيّتِه؟.

وجاءتْ التفاصيلُ صادمةً: استخدمَ الجانيُ سكينًا ومضربَ غولفٍ لتهشيمِ رأسِ شقيقِه، ثمّ انتزعَ إحدى عينيه وأكلَها بدمٍ باردٍ… الشرطةُ وجدتْ جثةً مشوّهةً، وأواني طعامٍ ملطّخةً بالدماءِ، وكوبًا ممتلئًا بدماءِ الضحيّة… مشهدٌ يثيرُ القشعريرةَ ويطرحُ سؤالًا وجوديًّا: كيفَ يتحوّلُ البيتُ الآمنُ إلى مسرحِ رعبٍ؟
المحكمةُ واجهتِ القاتلَ بتهمةِ القتلِ العمد من الدرجةِ الأولى وحيازةِ أسلحةٍ لأغراضٍ إجراميّة، لكنّها أعفتهُ من المسؤوليّةِ الجنائيّةِ بداعي "الجنونِ القانونيّ"، بعدما أثبتتِ التقاريرُ الطبيّةُ إصابتَهُ بمرضٍ عقليٍّ حادٍّ وحالةِ ذُهانٍ عميقٍ وهلوسةٍ بصريّةٍ مستمرّةٍ… لم يكنْ شيطانًا، بل عقلًا مريضًا تاهَ في متاهةِ الوهمِ، فارتكبَ ما لا يُرتكبُ وهو يظنُّ أنّه يُنقذُ العالمَ من الخرابِ. لم يكنْ يدركُ أنّه يذبحُ أخاهُ، بل كانَ يذبحُ نفسهُ في كلِّ طعنةٍ، وكلِّ هذيانٍ، وكلِّ لحظةِ فقدانِ وعيٍ.

وجاءتْ النهايةُ مأساويّةً حينَ أنهى حياتَهُ منتحرًا داخلَ زنزانتِه، ليسدلَ الستارَ على واحدةٍ من أغربِ القضايا الجنائيّةِ وأكثرِها رعبًا في التاريخِ… إنّها قصّةٌ لا تُدينُ المريضَ، بل تُدينُ غيابَ الرعايةِ، وتُذكّرُنا بأنّ العقلَ حينَ ينهارُ، يتحوّلُ الإنسانُ إلى كائنٍ لا يُدركُ ما يفعلُ، وأنّ المجتمعَ حينَ يُهملُ علاجَ الذُّهانِ، يدفعُ الثمنَ دمًا وأرواحًا.

فهل كانَ قاتلًا أم ضحيّةَ عقلٍ مريضٍ؟ وهل يُمكنُ للجنونِ أن يُعفيَ من فظاعةِ الدمِ والتمزيقِ؟ إنّها مأساةٌ تُذكّرُنا بأنّ الإنسانَ ليسَ شرًّا مطلقًا، بل عقلًا يمكنُ أن يضيعَ في الظلامِ إذا لم يجدْ يدًا تُنقذهُ من أعماقِه.
تعليقات