المدفأة القديمة ووجوه لا تغيببقلم/ عبدالله فوده
في ركنٍ هادئ من الذاكرة، ما تزال المدفأة القديمة مشتعلة، لا بالحطب، بل بالحنين. كانت تجمعنا حولها في ليالي الشتاء، حيث يهدأ العالم خلف الجدران، وتضيق المسافات بين القلوب. هناك، كان الدفء أكثر من حرارة، كان طمأنينة، وكانت الوجوه أقرب من الضوء، وأكثر حضورًا من الزمن نفسه.
وجوهٌ لا تغيب، مهما غابت أصحابها. تبتسم في وهج النار، وتعود في ارتعاشة اللهب، كأنها تحفظ مكانها في الذاكرة ولا ترضى بالرحيل. نسمع أصواتهم في طقطقة الحطب، ونلمح ظلالهم في ارتجاف الضوء على الجدران، فنفهم أن بعض الغياب لا يعني النهاية، بل شكلًا آخر من الحضور.
كانت المدفأة شاهدة على حكاياتٍ لم تُكتب، وعلى ضحكاتٍ خرجت من القلب دون حساب. عندها تعلّمنا أن الدفء الحقيقي لا تصنعه النار وحدها، بل تصنعه الأرواح حين تلتقي بصدق، وحين يكون القرب ملاذًا لا يُستبدل.
ومع مرور السنوات، قد تختفي المدفأة، وتتبدّل الأمكنة، لكن الوجوه تبقى. تعود كلما اشتد البرد، وكلما احتاج القلب إلى لحظة أمان. فبعض الذكريات لا تبرد أبدًا، وبعض الوجوه خُلقت لتظل قريبة، مهما طال الشتاء.
