خريفُ العلاقاتِ وولادةُ ربيعِ الذاتِبقلم: نور خالد أبو عمر
خريفٌ اجتاحَ روحي، جعلني أتساقطُ ورقةً تلوَ أخرى بعدما كنتُ وردًا يُشرقُ الصباحُ لأجله.
هناك من اقترب لا ليمنحني دفئًا أو نورًا، بل ليطفئَ إشراقةً كنتُ أحملها، وليذرَ روحي مستباحةً أمام هبوبِ الأقدار.
رياحٌ زلزلت أركانَ طمأنينتي، وتغلغلت كشروخٍ غائرةٍ في أعماقي، حتى خُيِّلَ إليَّ أنَّ ربيعي قد مات، وأنَّ العمرَ انطفأ في غفلةٍ من الحلم.
لم أبكِ غدرَهم، بل بكيت نفسي التي سمحت لرياحِهم أن تجتاحني؛ بكيت ملامحي التي فقدت ثقتها، ونبرةَ صوتي التي انطفأ بريقُها.
لم تكنِ الخُدعةُ في رداءِ الخريف، بل في طيبةِ الحصونِ التي فتحتُها لرياحٍ هادمة.
ومع ذلك، فإنَّ مرارةَ هذا الأسى لم تعد تكسرني، بل غدت حجرَ الأساسِ الذي أشيِّدُ فوقه ذاتي القويّة.
فما كانت تلك الندوبُ في قلبي إلا نوافذَ شرَّعتها الأقدارُ ليتسلَّل منها الضياء؛ فالأرواحُ لا تُشرقُ حقًّا إلا بعد عتمةٍ، ولا يكتمل نورُها إلا حين تعانقُ جرحَها.
ومن عمقِ تلك الشروخِ بالذات، وُلدتُ من جديدٍ بوعيٍ أشدَّ بأسًا وأكثرَ صلابةً، ليُعلنَ ربيعي أنَّ الانكسارَ لم يكن نهايةَ المطاف، بل كان مخاضًا لولادتي.
ما عدتُ أندبُ حظي، بل ها أنا أجمعُ شتاتَ نفسي المبعثرةَ بكفٍّ حانيةٍ، وأصهرُ هذا الحطامَ لأصنعَ منه معبرًا أرتقي به نحو كينونتي الحقيقية؛ فالقلبُ الذي أنبت وردًا للغرباء، كفيلٌ بأن يُزهرَ لنفسه جنائنَ من كبرياء، ويُعيدُ للروحِ حقَّها في السيادة.
أنا رمادٌ يختزنُ بذرةَ نور، أنا السندُ والضمادُ والقوةُ الكامنةُ في جذورٍ تعانقُ الكرامة.
أنا وردةُ العمرِ التي تهاوت أوراقُها في خريفِ الغدر، ها هي اليوم تُعيدُ تمكينَ جذورها في تربةِ الكبرياء، لتُشرقَ من جديدٍ—لا لترضي العابرين—بل إجلالًا لذاتها التي تستحقُّ الحمايةَ والتقديس.
وكلما عانقتُ نفسي بحبٍّ، صار الكونُ أوسع، كأنني أفتحُ أبوابَ السماء لأستظلَّ بضيائها.
سلامٌ على خريفٍ مضى بما سلب، وأهلًا بربيعٍ شامخٍ أزهر بما وهب، ربيعٍ يفيضُ رموزًا، ويُعلن أنَّ الانكسارَ ليس موتًا، بل ولادةٌ أخرى للروح.
