📁 آخر الأخبار

الرحمةالنهر السرمدي ومقام السكينة الأولى

 


الرحمةالنهر السرمدي ومقام السكينة الأولى 

بقلم: نور خالد أبو عمر

حين ينساب ذلك النهر السرمديّ في أعماق الوجود، يسكن عطش الأرواح، وتعود القلوب المرهقة إلى صفائها الأول، كأنها لحنٌ خفيّ يعزف في محراب الوجدان بلا صوت، لكنه يملأ المدى نورًا وسلامًا.

هي الضياء الذي يبدّد غبار القسوة، ويُعيد للإنسان دفء الفطرة، لتكون شاهدةً أن الخير أصلٌ في الخليقة، وأن المحبة هي لغة الكون الأبدية التي لا تزول.

فالرحمة ليست شعورًا عابرًا غارقًا في اللحظة، بل مقامٌ عالٍ لا يرتقيه إلا من حرّر روحه من الكراهية، ونفَضَ عن نفسه غبار الغطرسة، متفتحًا بقلبٍ رحيم على الضعفاء والمنكسرين.

وفي تلك الانحناءات الصامتة، لا يكون الأمر مجرّد غيابٍ عن الأنانية، بل ارتقاءٌ روحيّ قديم، يمحو المسافات بين عالم الطين وعالم الغيب، حتى تسكب النفس أسرارها في محراب الباري دون أن يلمح مقامها عابر.

تغدو الرحمة بذرةً مقدسةً في أوعية الطفولة الغضّة، لتورق غدًا أجيالًا نابضةً بالخير، قادرةً على اقتسام البهجة وتضميد جراح العاثرين.

وربما تبدو تفاصيل الأيام عابرة، لكن حين تلتفت إلى الماضي، تراها قصيدةً منسوجةً من الصمت المضيء: في يدٍ تكفل يتيمًا لتهديه الدفء المفقود، وفي همسةٍ تواسي مريضًا، وفي برّ الوالدين إجلالًا، وفي إحسانٍ يطرق باب الجار بالودّ، بل حتى في التفاتةٍ رفيقة لحيوانٍ ضعيف.

ما كنتَ تظنّه أفعالًا بسيطة كان جزءًا من مسارٍ نورانيّ محسوب، رسمته يد الحكمة بلطف؛ فالقصيدة التي يكتبها القلب بحبرٍ من نور لا تنطفئ أبدًا، بل تُحفظ في ذاكرة الأرواح كأعظم درسٍ في الوجود، لتعلّمنا أن الإنسانية لا تُقاس بالقوة، بل بقدرة القلب على أن يفيض حبًا وسلامًا.

ومن منظورٍ فلسفيّ عميق، تتكشف الرحمة لا كفعلٍ مجرد، بل كموقفٍ وجوديّ صارم، يُعلن فيه الإنسان قدرته على تجاوز حدود ذاته ليعانق الآخر في ضعفه وانكساره.

إنها مقاومةٌ صامتة ضد العدمية والقسوة، ترفض اختزال النفس في أنانيتها، وتعيد الكائن إلى أصله النورانيّ الأول حيث الخير هو المسار الحقيقيّ.

هنا، لا تكون الرحمة ضعفًا قطّ، بل تتحول إلى قوةٍ خفية قادرة على تحويل الجرح إلى نافذةٍ تنفتح على عمقٍ جديد.

إنه قانون القلب الذي يتجاوز الشرائع الجامدة ليؤسس لعالمٍ تحكمه المحبة والعدل، عالمٍ يرى في كل كائنٍ انعكاسًا للحق، وفي كل انكسارٍ فرصةً للسموّ الارتقائيّ.

وفي لحظة النور الأخيرة، يتجلّى المشهد التكامليّ كصرخة وعيٍ تتحدى الفراغ والزوال، لتدرك الروح أننا أعمق من جراحنا، وأن نورنا خالدٌ لا يفنى، حين نعي أن العطاء يضاعف المعنى، وأن المحبة كانت وستظل هي الطريق الأبديّ المرسوم بعناية نحو الله والآخرين.
تعليقات