📁 آخر الأخبار

ملامح طفلة أُجبرت على قناع امرأة

 


ملامح طفلة أُجبرت على قناع امرأة

بقلم:نور خالد أبو عمر
ثمة فتاةٌ ترى نفسها مُجبرة، كأن الحياة وضعت على كتفيها أثقالاً من الغصب، وأغلقت أمامها أبواب الاختيار، فلم يتبقَّ لها سوى أن تؤدي دوراً لم ترده؛ دوراً كُتِب عليها بغير إرادتها.
فتري انها زُوِّجت وهي لم تزل تبحث عن ذاتها، وحَمَلت وهي لم تزل تتعلم معنى الكينونة، وأصبحت أمّاً معيلة وهي لا تزال طفلةً في داخلها، تُصارع أقداراً لم تكن لها يدٌ فيها، وتُعلن في صمتٍ عميق: "أنا لم أختر، أنا أُجبِرت".

ترى العالم مسرحاً كبيراً، يؤدي فيه الجميع أدوارهم برضا، إلا هي؛ تؤدي دورها بسخط، تُقاوم بالدموع، بالكتابة، لتُعلن أن وجودها ليس خطأً، بل شهادة حيّة على ظلمٍ يُمارَس في خفاء.

هي لا ترى نفسها مريضةً نفسياً كما يصمها الآخرون، فالاعتراف بالجرح عندها ليس ضعفاً ولا تقصيراً، وإنما هو قيدٌ يكبلها، وظلمٌ يحاصرها، وسلبٌ لحقها في أن تكون.

هي لا تطلب سوى أن يحنو العالم عليها بلطف، وأن يُدرك المحيطون بها أن ما تعانيه ليس مرضاً تُلام عليه، بل نزيفٌ روحي سببه القهر، وصرخةٌ ضد مجتمعٍ يتجاهل جراحها ويُطالبها بإخفاء ألمها خلف ابتسامةٍ زائفة.

سخطها ليس عيباً، بل هو احتجاجٌ مشروع على قهرٍ طويل، ورفضٌ لمحاولات عده

إنها مرآة لمجتمعٍ يفرض الإكراه على نسائه، ويُهمل ندوبهن النفسية.

تحاول أن تُقاوم بوعيها الخفي، لكنها تُغرق نفسها في صرخةٍ صامتة، لتُثبت للعالم أن الظلم الذي حُفر في روحها ليس عابراً، بل هو تاريخٌ ممتد يسلبها معنى الحياة.

ومع كل صرخةٍ صامتة، تلتفت حولها فلا تجد سوى جدران غرفتها الباردة صدىً لأنينها.

تدرك، بمرارةٍ تفوق الاحتمال، أن العالم الذي يطالبها بابتسامةٍ زائفة لن يتوقف يوماً ليداوي نزيفها، وأن المجتمع الذي كبّلها لن ينصفها
فتجف دموعها لتتحول إلى حجرٍ صلبٍ يُثقل صدرها؛ تمسح وجهها المتعب، وترتدي قناع الرضا رغماً عن أنف روحها المكسورة، ثم تعود لتؤدي دورها المفروض في مسرحيةٍ تُبدد كينونتها كل يوم.

تُدفن طفلتها في الداخل حيةً، ليظل قهرها حكايةً مكتومة، وعمراً كاملاً يُساق إلى حتفه في صمتٍ مطبق... بلا اعتذار.
تعليقات