لا شكر على واجبكتب: أحمد يحيى عبدالوهاب
دخل عليه المريض، وعلى وجهه أثر أسابيع من الألم...
فحصه الطبيب، وصف له العلاج، وأعطاه ما يحتاجه...
عند الباب، التفت الرجل وقال بامتنان: "ربنا يخليك يا دكتور، شكراََ أنت اللي أنقذتني."
ابتسم الطبيب، ولم يقل شيئاً... لكنه في داخله… صدّق...
لا أحد يولد مؤمناً بأن واجبه منّة.
لكن حين يؤدي الإنسان واجبه فيُشكر، ثم يؤديه فيُشكر، ثم يؤديه فيُشكر…
يبدأ ببطء، دون أن يشعر، في الاعتقاد بأنه يُقدّم هبة لا يستحقها الآخرون إلا بالامتنان.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
حين يتحول الواجب إلى معروف
الموظف الذي يُنهي معاملتك بعد زيارات ومحاولات ومجاملات، لا يشعر بالذنب على التأخير... يشعر بالفخر على الإنجاز.
المعلم الذي يشرح بعناية ويهتم بطلابه، يرويها في المجالس كأنها تضحية شخصية، لا كأنها السبب الذي من أجله يقف أمام الفصل كل يوم.
والطبيب الذي يُنقذ مريضاً، ينسى أحياناً أن هذا بالضبط ما تعلّمه لسنوات، وما يتقاضى عليه أجراً كل شهر.
لا أحد منهم يكذب...
لكن كل واحد منهم يعيش في وهم لطيف، أن الواجب إذا أُدّي صار فضلاً.
لكن من أين جاء هذا الوهم؟
من عندنا نحن.
حين اعتدنا على الطبيب الذي لا ينظر إليك، وعلى الموظف الذي يراك عبئاً، وعلى المعلم الذي ينتظر نهاية الحصة أكثر مما ينتظره طلابه، فحين يأتي واحد منهم ويفعل ما يجب، نُصفق له كأنه أتى بمعجزة.
نحن لا نشكره على فعله، نحن نشكره لأننا فقدنا الأمل في أن يفعله أحد.
وبتصفيقنا هذا، نعلّمه درساً خاطئاً:
أن الحد الأدنى يستحق الاحتفاء.
وأن ما دون الحد الأدنى… يُغتفر.
والأخطر أنه صدّق
حين يصدق الإنسان أن واجبه معروف، يبدأ في توزيعه بحسب المزاج.
يُنجز لمن أعجبه، ويُماطل مع من لم يعجبه.
يهتم حين يُشكر، ويتكاسل حين لا يُلاحَظ.
وتدريجياً، يتحول الواجب من التزام ثابت… إلى منحة متقلبة.
ومن حق مكفول… إلى هبة يمنحها لمن يشاء.
وأنت، دون أن تدري، صرت مديناً لمن لم يفعل سوى ما يجب.
إذن ما الحل؟
ليس أن نتوقف عن الشكر...
الامتنان فضيلة حين يكون في محله.
لكن أن نُفرّق بين شيئين لا يجب أن يختلطا:
"الشكر يكون حين يتجاوز الإنسان واجبه، حين يضيف من وقته، من قلبه، من روحه، شيئاً لم يكن مطلوباً منه"
المحاسبة تكون حين يُقصّر في واجبه، لأن التقصير في الواجب ليس ضعفاً بشرياً يُغتفر، بل إخلال بعقد بينه وبين من يخدمهم.
الطبيب يستحق امتنانك حين يتصل بك بعد الزيارة ليطمئن عليك.
الموظف يستحق ثناءك حين يتجاوز دوره ليحل مشكلة لم تطلب منه حلها.
المعلم يستحق احتفاءك حين يزرع في طالب شيئاً لم يكن في أي كتاب.
أما أداء الواجب؟
فهذا ما يجب أن يكون طبيعياً، لا استثنائياً.
"لا شكر على واجب" لم تكن يوماً جملة تواضع.
كانت تذكيراً بحقيقة بسيطة:
الواجب ليس هبة. وأداؤه ليس بطولة. وتقصيره ليس قدراً.
وحده من يفهم هذا يعرف أين يضع شكره، وأين يضع محاسبته.
أما ذلك الطبيب الذي صدّق أنه أنقذ مريضه بإرادته الحرة؟
سيظل يعتقد ذلك… حتى يأتي يوم يقرر فيه ألا ينقذ.
لا_شكر_على_واجب أخلاقيات_العمل مقال_اليوم ثقافة_مجتمع حقوق_وواجبات
