📁 آخر الأخبار

بين الترند والريتش أين اختفت الحياة؟

 


بين الترند والريتش.. أين اختفت الحياة؟

بقلم: إيمان المهدى

في السنوات الأخيرة، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت إلى عالم متكامل يقضي فيه الملايين جزءًا كبيرًا من يومهم. عالم تُقاس فيه الشهرة بعدد المشاهدات، ويُقاس النجاح بعدد المتابعين، وأصبح "الريتش" هدفًا يسعى إليه الكثيرون.

ومع هذا التحول، بدأ البعض يشارك تفاصيل حياته اليومية بشكل مستمر؛ من الطعام والرحلات إلى المناسبات العائلية، بل وأحيانًا الخلافات والمواقف الشخصية. ومع أن مشاركة اللحظات الجميلة أمر طبيعي، فإن الإفراط في كشف تفاصيل الحياة قد يجعل صاحبها أكثر عرضة للتدخل في خصوصياته، أو الانتقادات، أو حتى الحسد، وهي أمور قد تؤثر في راحته النفسية.

كما ساهمت ثقافة "الترند" في تغيير أولويات البعض، فأصبح الوصول إلى أكبر عدد من المشاهدات هدفًا في حد ذاته، حتى لو كان ذلك على حساب الخصوصية أو المحتوى الهادف. وأصبحت بعض المواقف الشخصية والخلافات الأسرية تُعرض أمام الجميع، ليس لأنها تستحق النشر، ولكن لأنها تحقق انتشارًا واسعًا.

ولا يمكن إنكار أن مواقع التواصل الاجتماعي وفرت فرصًا كبيرة للتعلم، والعمل، والتسويق، ونشر المعرفة، وصناعة المحتوى الهادف، لكنها في الوقت نفسه دفعت البعض إلى الدخول في سباق مستمر خلف الأرقام، حتى أصبحت قيمة بعض المحتويات تُقاس بعدد المشاهدات أكثر من مضمونها.

والحقيقة أن ما نراه عبر الشاشات لا يعكس دائمًا الواقع كاملًا؛ فكثير من المستخدمين يختارون عرض أجمل اللحظات فقط، بينما تبقى التحديات والصعوبات بعيدة عن الكاميرا، وهو ما قد يدفع البعض إلى المقارنة والشعور بأن حياة الآخرين أكثر سعادة، رغم أن الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا.

إن الحفاظ على قدر من الخصوصية لا يعني الانعزال، بل هو حماية للنفس وللعلاقات الإنسانية. فليست كل لحظة تستحق النشر، وليست كل نعمة تحتاج إلى إعلان، وبعض التفاصيل تزداد قيمة عندما تبقى بعيدة عن الأضواء.

وفي النهاية، لا ينبغي أن تتحول الحياة إلى سباق دائم خلف الترند والريتش، فالمشاهدات قد ترتفع ثم تنخفض، أما الحياة الحقيقية فهي أثمن من أن تُختزل في أرقام على شاشة هاتف. ويبقى الأهم أن نستخدم مواقع التواصل الاجتماعي كوسيلة نافعة، لا أن نجعلها تتحكم في طريقة عيشنا ونظرتنا لأنفسنا ولمن حولنا.
تعليقات