أقنعة الزيف تُعرّي النفوس
بقلم: نور خالد أبو عمر
في غَسقِ الليل، حين يَسكنُ ضجيجُ العالم وتعلو أصواتُ الداخل، جلستُ كمن يرقب مسرحاً خفيّاً تتوالى فيه مشاهد البشر وأدوارهم. هناك، بين صمت اللحظة وارتباك الذاكرة، انثقبت عتمة الروح بأسئلةٍ حارقة؛ تفتش في عمق الغايات والمقاصد، وتفكك شفرات السلوك الإنساني في زمنٍ اختلطت فيه الحقائق بالأوهام.
فبينما كنتُ أتفحص حياتي، إذ بتساؤلاتٍ تتدفق كالسيل: ما هو الحلال والحرام? وما الصحيح والخاطئ? وهل الأمر نِسبيّ إلى هذه الدرجة، أَم هي مجرد أهواءٍ تَتلاعب بِنا مِن أجل المنفعة الشخصية؟
وفي ذروة الذهول، إذ بأفكارٍ عاصفة تُخرجني بِشدة من حيرتي وتقول لي: "أخيراً فهِمتَ اللعبة؟!".
فقلتُ مستغرباً: "كيف؟!".
قالت مفسرةً دهاء المشهد: "هي أن تَمسك بِعصا 'الشخاليل' وتَحركها كيفما شئت، وتقنعَهم بأنها لا تُصدر صوتاً ولا صدى صوتٍ.. فتَقنعهم! وتتلاعب بِعقولهم كأنها عرائسُ مُتحركة تحت يدك، كدمىً صامتة تتقاذفها الأهواء كالأوراق في مهب الريح. فالخلاصة في هذا المسرح تَكمن في التَحكم والتلاعب بالعقول، وليس بالحلال والحرام والصواب والخطأ؛ فحتى النسبيةُ بريئةٌ منهم، فهم يَقلبون الموازين حَسب أهوائهم ومصالحهم الشخصية البحتة والمتعفنة!".
ولكن، رغماً عن صخب المتلاعبين، يُحكى في سنن الوجود أن القلوب لا تستطيع أن تتنكر طويلاً؛ فمع مرور الأيام وتتابع المواقف، تبدأ النفوس والنوايا في الظهور على حقيقتها، وتُعرّي القلوبَ مِن أغطيتها الزائفة.
نعم، قد تُظلل المحبةُ المزيفة والتدينُ المصطنع تلك الأرواح لبعض الوقت، ولكن سرعان ما تتكشَّف تلك الأقنعة لِتُظهر ما يختبئ خلفها من مآرب وضغائن.
هناك أولئك الذين يَسعون خلف مصالحهم الخاصة، ويعتقدون أنهم في مأمنٍ من الانكشاف بفضل مكائدهم، لكن الحقيقة سرعان ما تتجلى، وتظهر سماتهم العارية على وجوههم؛ وتحديداً في اللحظة التي يظنون فيها أنهم متوارون خلف ستار الزيف.
أما القلوب النقية، فإنها لا تجد صعوبة في أن تكون على طبيعتها وسجيتها؛ فالأشخاص الصادقون والواضحون يُدركون يقيناً أن الأخطاء والنواقص جزءٌ من التكوين البشري، ولا يُعانون مِن عُقدة التظاهر بما ليسوا عليه من مثاليةٍ زرقاء. فنقاء قلوبهم العفوي يُضيء لهم الطريق وسط ضباب الخداع, ويكشف للمارة عن الجمال الحقيقي الذي يكمن في تلك الأرواح الطيبة.
ومع خيوط الفجر الأولى، انكشف لي أن فنّ التلاعب ـ مهما بلغ دهاؤه ـ يظل هشّاً، وأن خيوط العرائس لا بد أن تنعقد في النهاية حول أصابع صانعها لتفضح لعبته. فالأقنعة، مهما تجمّلت، تُثقل الوجوه وتُنهك الأرواح، والمكر المتعفّن يستهلك صاحبه قبل أن يُسقط غيره.
وحده الصدق العفوي، والنقاء الفطري، يظلّ الدرع الذي لا يُخترق، والقوة التي لا تُقهر. هناك، حيث ينهار الزيف أمام نور الحقيقة، تنام القلوب الطيبة هانئةً، مُستنيرةً بجوهرها الثمين، شاهدةً على أن الحق لا يُطمس، وأن الزيف مهما طال.. لا يملك إلا أن يُعرّي النفوس.
