📁 آخر الأخبار

نور الحوار يبدّد ظلام الإقصاء والجمود

 نور الحوار يبدّد ظلام الإقصاء والجمود

بقلم: نور خالد أبو

عمر

في قريةٍ صغيرة على أطراف الجبال، كان الليل يهبط كستارٍ ثقيل، والبيوت تتلألأ بضياء الشموع، والناس ينقسمون بين من يفتح فاهه للحوار ومن يختبئ خلف جدار الإقصاء.
هناك جلس حكيم عجوز تحت شجرةٍ معمّرة، يتأمل الجدالات اليومية، ويرى أن الفكرة التي تُقصي غيرها لا تزداد قوة، بل تزداد إشراقًا حين تُختبر في ساحات النقاش الحر.
وكان يردد دائمًا: "الحوار هو النور الذي يبدّد العتمة، والإقصاء هو الظلام الذي يبتلع العقول."
أما لغة التكفير والإلغاء والإقصاء فليست سوى سلاح العاجزين، وصوت الخاسرين الذين يخشون المواجهة الفكرية واختلاف الرؤى.
فالحوار المفتوح هو ساحة الأحرار، حيث تُبنى العقول وتزدهر الأفكار، بينما الإقصاء ليس انتصارًا بل هروبًا من حقيقة التنوع، وهو تعتيمٌ للفكر، وتعفّنٌ للعقول، وسطحيةٌ تُغلق الأفق، وتبعيةٌ تُسلب الإنسان حريته.
وكان الحكيم يحذّر قائلاً إن من يَحبس فِكره في إطار ضيق الأفق يحرم نفسه من فهم أوسع وأعمق للعالم؛ سواء على الصعيد المذهبي: حين يكتفي المرء برؤية طائفته ويغلق أبواب الحوار، أو الديني: حين يظن أن الإيمان لا يكتمل إلا بإقصاء المختلف فيحوّل الدين من رسالة رحمة إلى أداة قمع، أو المعتقدي: حين يتشبث بفكرة جامدة ويرفض أن يرى ما وراءها من احتمالات، أو الفكري: حين يظن أن رأيه هو الحقيقة المطلقة فيغلق عقله أمام النقد والتحليل ويخسر فرصة النمو.
وفي تلك القرية، اجتمع شبابٌ حول النار، يستمعون إلى قصص الغرباء، ويضحكون حين يكتشفون أن اختلافهم لم يكن تهديدًا، بل نافذةً جديدة على العالم.
كانوا يزدادون حكمةً وقوةً لأنهم أدركوا أن الحوار ليس تنازلًا عن الذات، بل رحلةٌ لفهم الآخر وتوسيع الأفق، معلنين أن التنوع ليس مأزقًا حضاريًا، بل هو طبيعة بشرية وسنة كونية ثابتة.
ومع مرور الزمن، أدرك أهل القرية أن الذين اختاروا الحوار والانفتاح هم الذين ازدهرت حياتهم، وتفتحت عقولهم، وتوسعت آفاقهم.
أما الذين احتموا بجدار الإقصاء فقد ذبلت أفكارهم، وتحوّلوا إلى ظلالٍ باهتة في عالمٍ يتسارع نحو المستقبل. وفي ليلةٍ رمزية، اجتمعت القرية كلها، وأضاءت الشموع المتجاورة بألوانٍ مختلفة للأمل، فصنعت هذه الشموع نورًا واحدًا يبدّد الظلام، وأعلنت أن التنوع ليس ضعفًا، بل هو سرّ القوة.
إن الإقصاء ليس مجرد خطأ اجتماعي، بل هو إنكارٌ لجوهر الوجود؛ لأن الوجود في أصله تعدّدٌ وتباين.
الفكر المتعفن والسطحية والتبعية ليست سوى صورٍ للجمود، بينما الحوار هو فعل الحرية، وهو انفتاح الكائن على الآخر ليكتشف ذاته في مرآة الاختلاف.
فالحضارة لا تُبنى بالانغلاق، بل بالجدل، ولا تزدهر بالتماثل، بل بالتنوع.
والإنسان لا يكتمل إلا حين يعترف أن الحقيقة ليست ملكًا لفردٍ أو جماعة، بل هي نهرٌ متدفق من أصواتٍ متعددة، كل صوتٍ فيه يضيف نغمةً إلى موسيقى الوجود.
وهكذا يصبح الحوار ضرورةً وجودية، إذ هو وحده الذي يمنح للحياة معناها، ويحوّل اختلاف البشر من صراعٍ عقيم إلى لحنٍ كوني يعلن أن الحرية هي النور، وأن الإقصاء هو الظلام الذي ينهزم أمام إشراقة الفكر الحي.
تعليقات