📁 آخر الأخبار

ما بين هيبة القانون وكرامة المحاماة

 


ما بين هيبة القانون وكرامة المحاماة

بقلم /هيام الرمالى

شهد الوسط القانوني خلال الأيام الماضية واحدة من أكثر الأزمات المهنية إثارة للجدل، وهي الأزمة التي نشبت بين عدد من محامي السويس والنيابة العامة على خلفية واقعة بدأت – بحسب الروايات المتداولة – بخلاف حول مقر أو مكان مخصص للمحامين داخل مجمع المحاكم، قبل أن تتطور إلى محاضر وتحقيقات واستدعاءات شملت أعضاء بمجلس النقابة الفرعية ونقيب محامي السويس.
وقد أثارت هذه الواقعة ردود فعل واسعة داخل جموع المحامين في مختلف المحافظات، ليس فقط بسبب أطرافها، وإنما لما تمثله من مساس بالعلاقة التاريخية بين جناحي العدالة؛ القضاء والمحاماة، وهي العلاقة التي قامت دائمًا على التكامل لا التصادم.
جوهر الأزمة
تكشف قراءة متأنية للأحداث أن جوهر الأزمة يتجاوز مجرد الخلاف حول مكان أو غرفة داخل المحكمة، إذ سرعان ما انتقل النزاع من نطاقه الإداري إلى نطاق قانوني وجنائي، وهو ما أدى إلى حالة من الاحتقان المهني والشعور بالقلق لدى قطاع واسع من المحامين.
فالمحامون ينظرون إلى الواقعة باعتبارها اختبارًا حقيقيًا للضمانات التي كفلها قانون المحاماة للمحامي أثناء أداء رسالته، بينما ترى الجهات المختصة أن أي بلاغ يتضمن شبهة ارتكاب جريمة يقتضي التحقيق والفحص وفقًا لأحكام القانون دون تمييز.
المحاماة ليست خصمًا للنيابة
من الخطأ النظر إلى الأزمة باعتبارها مواجهة بين المحامين والنيابة العامة، فالحقيقة أن الطرفين يؤديان دورًا متكاملًا داخل منظومة العدالة.
فالنيابة العامة تمثل المجتمع وتسهر على تطبيق القانون، بينما يقوم المحامي بالدفاع عن الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة. ولذلك فإن أي توتر بين المؤسستين ينعكس بصورة مباشرة على حسن سير العدالة وثقة المواطنين في مؤسساتها.
ولهذا فإن الحكمة تقتضي عدم تحويل الخلافات المهنية أو الإدارية إلى معارك مفتوحة يصعب احتواؤها لاحقًا.
لماذا أثارت الواقعة هذا الغضب؟
يرى كثير من المحامين أن استدعاء قيادات نقابية للتحقيق على خلفية أزمة مهنية يثير مخاوف تتعلق باستقلال المهنة ومكانة النقابة، خاصة في ظل النصوص القانونية التي أحاطت المحامي بضمانات خاصة أثناء وبسبب أداء عمله.
وفي المقابل، يتمسك أصحاب الرأي الآخر بأن القانون يعلو على الجميع، وأن التحقيق لا يعني الإدانة، بل هو وسيلة لكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات إن وجدت.
وهنا تكمن أهمية التفرقة بين حق الدولة في التحقيق وبين ضرورة احترام الضمانات المقررة للمحامين.
كيف يمكن أن تنتهي الأزمة؟
التجارب السابقة تؤكد أن الأزمات المشابهة غالبًا ما تنتهي بأحد ثلاثة مسارات:
أولًا: المسار القانوني الكامل
وذلك باستمرار التحقيقات وسماع جميع الأطراف وفحص الأدلة والتسجيلات وصولًا إلى قرار قانوني نهائي بحفظ الأوراق أو الإحالة للمحاكمة إذا توافرت أدلة كافية.
ثانيًا: الحل المؤسسي
وهو السيناريو الأقرب والأكثر حكمة، من خلال تدخل النقابة العامة للمحامين والقيادات القضائية لاحتواء الأزمة وإعادة الأمور إلى نصابها بما يحفظ هيبة الدولة وكرامة المحاماة معًا.
ثالثًا: الحل المختلط
بحيث تستمر التحقيقات القانونية في مسارها الطبيعي، بالتوازي مع تفاهمات مؤسسية تنهي حالة الاحتقان وتعيد العلاقة المهنية إلى طبيعتها.

وفي تقديري، فإن الأزمة مرشحة للانتهاء عبر تدخل مؤسسي رفيع المستوى بين النقابة العامة والجهات القضائية المختصة، خاصة أن استمرار التصعيد لا يخدم أي طرف، كما أن تاريخ العلاقة بين القضاء والمحاماة في مصر أثبت أن الحوار كان دائمًا هو السبيل الأكثر نجاحًا لتجاوز الأزمات.
فلا مصلحة للمحامين في الدخول في صدام مع مؤسسات العدالة، كما أنه ليس من مصلحة الدولة أن تتسع الفجوة بين النيابة والمحامين، وهم شركاء في تحقيق العدالة وسيادة القانون.
كلمة أخيرة
إن قوة الدولة لا تتحقق بإضعاف المحاماة، كما أن قوة المحاماة لا تكون بمخاصمة مؤسسات الدولة. وبين هيبة القانون وكرامة المحامي مساحة واسعة للحكمة والحوار والاحترام المتبادل..
تعليقات