الحنوِّ الأعمى حين يَلِدُ الدلالُ خرابًابقلم:نور خالد أبو عمر
إنَّ الحنانَ حين يفيضُ بلا وعيٍ يُشبهُ نهرًا جارفًا يقتلعُ جذورَ الإرادة، ويتركُ الروحَ عاريةً أمام رياحِ الانكسار.
فالأهلُ الذين أغرقوا طفلَهم في بحورِ الدلالِ المُفرِط ما بنَوا في ذاته سياجًا واقيًا، بل غرسوا في عمقِ قلبه بذورَ ضعفٍ تنمو في خفاءِ الروح لتُثمرَ في الختامِ حطامًا؛
إذ توهّموا أنّهم يصنعون له درعًا يقيه جفاءَ الأيام،
فإذا بهم يبتنون في أعماقه – بلا قصد – عالَمًا هُلاميًّا بلا حدودٍ ولا مسؤولية، حيثُ كلُّ خطيئةٍ مغفورة، وكلُّ انحرافٍ مُبرَّر.
وبسبب هذا الوهم، كبرَ الصغيرُ على ظنٍّ قاتل.
بأنَّ الحياةَ مدينةٌ له بالعفو الأبديّ، وأنّ كلَّ سقطةٍ ستجدُ يدًا تُبرّرها قبل أن ترفعها، ومع مرورِ السنين، تحوّل هذا الغطاءُ الأبويُّ الحاني إلى قناعٍ يخنقُ ملامحَه، فانزوى في عوالمِ نفسه، وتاه في غابةٍ من الظلالِ والغياب،
ولم يكن يتلمّسُ في تِيْهِه لذّةً عابرة، بل كان يتشبّثُ بسرابٍ مُسكّنٍ يُغريه بالنجاة؛
فرارًا من صدمةِ الحقيقة، وانغماسًا في وهمٍ يُصوّر له الانهيارَ عبورًا بلا ثمن.
ومن تلك اللحظة، تشظّى وعيُه بالكامل، وضاعت البوصلةُ وتفتّتت الذات، لتتحوّلَ الروحُ إلى أطلالٍ مهدَّمة يجرّ وراءها خرابًا يطالُ كلَّ من يقتربُ منه، ليغدو كائنًا هشًّا، ممزّقًا من الداخل، ساخطًا على محيطه، يوزّع شظايا غضبه كمن يثأرُ من حياةٍ خانته، ينهشها بمرارةٍ لم يتعلّم يومًا كيف يواجهها، ولا كيف يغفر لها أنّها تركته يتهاوى في تيهٍ بلا عودة.
إنَّ تلك الأيدي التي أحبّت حتى أبادت، وظلّت تُدلّل وهو يهوي، وتُبرّر له وهو يحترق، بل وتُغنّي له وهو يُدمّر نفسه، تحوّل حبُّها إلى وقودٍ يُغذّي انهياره، وغدا دلالُها جدارًا سميكًا يحجب عنه مرآةَ الحقيقة ومواجهةَ الذات، فصار كائنًا يتآكلُ من الداخل ويعيشُ موتًا بطيئًا، فلا يسقطُ وحده بل يتهاوى معه كلُّ ما يلمسه من علاقةٍ، ومعنى، وأمل.
إنَّ العاطفةَ الجارفةَ إذا تعرّت من الوعي انقلبت قنديلَ زيفٍ؛ يُهيبُ بالدفءِ وهلةً، ويُعمي البصيرةَ دهراً،
ليتسلّلَ كالسُّمِّ البطيءِ في شرايينِ الروح، وتلك الأيدي التي استعذبت الصمتَ وعجزت عن نطقِ "كفى"، قد صاغت بأيديها فصولَ هذا التلاشي وإن بَرئت نواياها من سوءِ القصد؛ فكلُّ حبٍّ لا يُشيّدُ عقلًا هو هدمٌ مُبطَّن، وكلُّ دلالٍ يسلبُ الروحَ مناعتها يورثُ في الختامِ تيهًا يُشبهُ اللعنةَ الأبديّة.
وهنا يبقى سؤالُ معلّقًا في فضاءِ الضمير: هل الحبُّ بلا وعيٍ يُعدّ حبًّا حقًّا؟
أم أنّه مجرّدُ مُخدِّرٍ روحيٍّ يسرقُ من الإنسانِ بوصلتَه؟
إنَّ الأبوةَ والأمومةَ ليستا مجرّدَ تدفّقٍ غريزيّ، بل هما مسؤوليّةٌ أخلاقيّة وصناعةٌ واعية
تُدرك أنّ الحنانَ بلا حدودٍ هو هدمٌ للبناء، وأنَّ الحبَّ الذي لا يُعلّمُ الصمود يُميتُ الروحَ ويتركُها تائهةً في دوّامةِ الخراب،
يودّعُ الإنسانُ فيها أنفاسَه الأخيرة ساخطًا على نفسه، وناقِمًا على عالمٍ لم يمنحه فرصةً ليكون قويًّا، ليرحل في الوداعِ الأخير تاركًا خلفه أطلالًا من حبٍّ كان في حقيقته أشدَّ قسوةً من القسوةِ ذاتها،
حبٍّ يُودِّعُ العالمَ بابتسامةٍ باهتة، ويُخلِّفُ في الضميرِ سؤالًا أبديًّا:
هل كان ذلك الحنانُ حياةً، أم موتًا مُقنَّعًا بثوبِ الرحمة؟
فكم من حنانٍ كان أشدَّ قسوةً من القسوةِ ذاتها!
